تمهيد:
لفظ القانون في اللغة: له معنى واسع، و كلمة
قانون من أصل يوناني (Kanôn) و تعني الشيء المستقيم- القاعدة، النظام..الخ و
قد انتقل اللفظ إلى معظم الدول تحت عدة تسميات أما في العربية تم تعريب هذه الكلمة
إلى "قانون". واخذ هذا اللفظ معنى القاعدة Règle أي العصا المستقيمة.
إن كلمة قانون تستعمل بمعان مختلفة، و تفيد
عموما استمرار أمر معين في نطاق نظام معين([2])،
و يصح هذا المعنى أكثر في مجال العلوم الدقيقة، و قد أخذ هذا اللفظ طريقه إلى مجال
العلوم الاجتماعية كعلم الاقتصاد، و هكذا نقول مثلا قانون العرض و الطلب، و لكن
هذا اللفظ اخذ في قاموس اللغة)[3]( معنى خاصا بحيث أصبح يعبر به عن مجموعة قواعد السلوك التي تنظم
الحياة في المجتمع على وجه ملزم، فالقانون بهذا المعنى يحدد إذا النظام الذي يجب
أن تجري وفقه علاقات الأشخاص و سلوكهم في المجتمع. و باعتباره علما من العلوم
الاجتماعية فإنه لا يتميز حتما بالآلية التي تتميز بها قوانين العلوم الدقيقة ففي
مجال القانون تتدخل إرادة الإنسان و تأخذ أحد مظهرين: فإما أن تكون ايجابية و ذلك بتطبيق القانون و
إما أن تكون سلبية و ذلك بمخالفته أي إتيان سلوك مناف لمقتضى حكمه، و من هنا كان
لزاما أن يزود القانون بعنصر القهر الممارس بواسطة السلطة العامة.
كما تستعمل كلمة "قانون" للدلالة على مجموعة
نصوص قانونية (قانون loi– أمر ordonnance– المرسوم décret –
القرارArrêté)
و تأتي لتنظيم و تطبيق ميدان معين من ميادين
القانون.
كما أن القانون قد يأخذ معنى التقنين (Code) و يراد به مجموعة المواد المقننة لميدان معين من ميادين القانون
(القانون المدني Code civil- القانون التجاريcode de commerce - قانون الإجراءات المدنية والإداريةcode procédure civile
et administrative - قانون العقوبات code pénal - قانون الإجراءات الجزائية code procédure pénal).
وقد يدل على فرع من
فروع العلمية لدراسة قانون أو القوانين الخاصة بمجال معين([4]) كقانون الأعمال مثلا الذي يهدف إلى دراسة مجموع القواعد و القوانين
المتعلقة بميدان الأعمال Affaires/Business المؤسسات (قواعد
التي تحكم الشركات و القانون الجبائي، قانون حماية المستهلك، قانون المنافسة،..الخ).
القانون هو عبارة عن مجموعة قواعد تهدف إلى تنظيم
العلاقات بين الأشخاص في المجتمع. و بهذا الاعتبار يمكن النظر إليه من زاويتين و
إعطائه تعريفين متميزين. هكذا يمكن النظر للقانون أولا كمجموعة قواعد تشكل
نظاما مفروضا لحكم الحياة في المجتمع أي تنطبق على كل الأشخاص المشكلين لهذا
المجتمع. و هذا ما يفسر ما يميز هذه القواعد
من عمومية و تجريد بحيث يتجه خطابها للكل و لا يحدد شخصا بذاته.
لكن القانون يمكن أن ينظر إليه أيضا من زاوية أخرى
باعتباره مجموعة قواعد تحدد حقوقا و مراكز قانونية لأصحابها الأشخاص، و خلافا
للمعنى الأول فإن القانون من خلال هذا المعنى ينظر إليه بصورة أكثر تجسيدا و
خصوصية، فالقانون بهذا المعنى الثاني يعترف للأشخاص المخاطبين بأحكامه بمزايا و
يزودهم بسلطات خاصة بهم.
إن هذه النظرة المزدوجة للقانون تفرض علينا تناول دراسة
القانون في قسمين:
القسم الأول: نخصصه لدراسة القانون بمعناه الأول أي
كمجموعة قواعد موضوعية و ذلك تحت عنوان النظرية العامة للقانون (Droit objectif).
القسم الثاني: نخصصه لدراسة القانون بمعناه الثاني المنصب
على السلطات أو الامتيازات (المزايا) التي تتولد عن هذه القواعد و ذلك تحت عنوان
النظرية العامة للحق (Droits Subjectifs).
المحور الأول: النظرية العامة للقانون
المبحث الأول: قواعد القانون Règles de Droit.
إن التعريف بالقانون يجب أن يتم أساسا بالنظر إليه
كمجموعة قواعد، مما لابد من دراسة القاعدة القانونية من خلال إبراز خصائصها و
مميزتها أي تمييزها عن باقي قواعد السلوك.
أولا: خاصية العمومية و التجريدGénérale et impersonnel/Abstraite .
تتميز القاعدة القانونية بأنها خطاب عام و مجرد و معنى ذلك أن هذا
الخطاب موجه إلى الأشخاص بصفاتهم كما يتناول الوقائع و التصرفات بشروطها، فإذا
تحقق الشرط أو الصفة طبقت القاعدة القانونية، و من الأمثلة على ذلك القاعدة
القانونية المتعلقة بالمسؤولية التقصيرية المنصوص عليها في المادة 124 من القانون
المدني، بموجبها كل عمل أيا كان يرتكبه المرء و يسبب ضررا للغير يلزم من كان سببا
في حدوثه بالتعويض". فهذه القاعدة هي قاعدة عامة و مجردة لأنها غير موجهة لشخص
معين و لا تخص واقعة معينة. من الواضح أن القاعدة القانونية تتميز بهذه الصفة
المزدوجة و لو كانت موجهة لطائفة محدودة من الأشخاص بل حتى لشخص واحد مادامت تحدد
هذا الشخص بصفاته فمثلا القاعدة التي تنظم مهنة التجار، أو المحامين هي قاعدة عامة
و مجردة، و لو كانت موجهة لفئة محدودة
العدد لان هذه الفئة معينة بأوصافها، و ليس بالأسماء. وتؤدي صفة العمومية و
التجريد إلى حياد القانون و استقلاله في مواجهة الاعتبارات الشخصية، و من نتائجها
أيضا تبقى قاعدة القانون متجددة أو مستمرة، وهذا ما يفصل بينها وبين الأوامر
الفردية و الأحكام القضائية من جهة أخرى، فهذه الأخيرة توجه إلى أشخاص معينين
بذواتهم كقولنا فلان معين للخدمة الوطنية بأمر اتخذ تطبيقا لقواعد القانون، أو عند
مقاضاة شخص بذات بسبب ارتكابه خطأ تسبب في أضرار للغير فإن الحكم يصدر بالنسبة للأطراف
المعنيين به و لا يتعدهم.
أولا: خاصية الإلزام أو الإلزامية القاعدة القانونية (اقتران القاعدة القانونية بجزاء مادي) Obligatoire et coercitive.
يعتبر الإلزام صفة جوهرية في القاعدة القانونية، ذلك أنها ليست مجرد نصيحة،
بل خطابا ملزما، و لكن نعلم أن كل قاعدة سلوك تنطوي على أمر، و كل أمر يتضمن حتما فكرة الإلزام، و لذلك فالإلزام
بهذا المعنى وحده لا يكفي ليكون معيارا للقاعدة القانونية، و إنما يجب أن يقترن
بالجزاء، و يجب أن يتمثل هذا الأخير في وسيلة من وسائل القهر. فالمقصود بالإلزام
إذن كصفة مميزة للقاعدة القانونية هو وجوب أن يكون مقرونا بجزاء يمكن أن يوقع فعلا
على الشخص الذي يخالفها من طرف السلطة العامة. و قد يكون احترام القاعدة القانونية
تلقائيا لشعور الناس بضرورة الحفاظ على كيان المجتمع و استقراره.
فالقاعدة القانونية تقترن بجزاء مادي توقعه السلطة العامة على المخالف لأحكامها
عن طريق الحكم القضائي. و الجزاء المادي على أنواع:
أ - الجزاء الجنائيSanction pénale : الجزاء الجنائي عبارة عن العقوبة التي
تتقاضاها السلطة العامة من المخالف لقاعدة من قواعد القانون الجنائي نيابة عن
المجتمع. و هو إما أن يكون ماليا يقع على مال المخالف كالغرامة أو سالبا للحرية كالأشغال
ذات النفع العام و الحبس. و القضاء المختص في فرض الجزاء الجنائي هو المحاكم
الجزائية.
ب - الجزاء المدنيSanction Civil : و يتمثل في الجزاء الذي توقعه السلطة العامة
على من يخالف إحدى قواعد القانون المدني أو أي قانون آخر ساري المفعول يحمي الحق
الخاص للأشخاص، و هو على صور مختلفة. فقد يكون الجزاء المدني في صورة إجبار المدين
على التنفيذ. و التنفيذ قد يكون عينا بإجبار المدين على الوفاء بما التزم به، و قد
يكون بمقابل عن طريق التعويض.
ج - الجزاء الإداري أو التأديبيSanction Administrative ou
disciplinaire : و هو الجزاء الذي تفرضه السلطات الإدارية
على الموظفين و المستخدمين في الإدارات العمومية و الهيئات العمومية المخالفين لأحكام
القانون الإداري التي تنظم الوظيف العمومي، كعقوبة الإنذار التوقيف المؤقت و
النهائي. و يضفي عليها وصف (عقوبة)، نظرا لان الضرر الحادث يصيب مصلحة عمومية دون
أن يقتصر على فرد معين. وتكون تأديبية فيما يخص أيضا الهيئات المستخدمة الخاصة في
إطار علاقات العمل في حالة مخالفة العامل قواعد القانون الداخلي. و خول لبعض
الهيئات (كاللجان التأديبية التابعة للهيئة) فرض هذا الجزاء و هي بذات تمارس صلاحية
من الصلاحيات القضائية المتمثلة في معاينة المخالفة وتطبيق العقوبة المقررة لذلك.
ولكن السلطة المناط بها توقيع الجزاء القانوني بصورة عامة هي السلطة القضائية.
و يجوز أن يجتمع هذا الجزاء مع أي من الجزاءين الجنائي و المدني أو كليهما
عند تحقق شروط توقيعهما. أما قواعد القانون الدولي فيفتقد إلى الجزاء كما هو معروف
في القوانين الداخلية و هذا يعود لانعدام سلطة عامة تسمو على الدول، إلا أن هناك
بعض الحالات في توقيع الجزاء من طرف بعض المنظمات الدولية.
ثالثا: القاعدة القانونية هي قاعدة سلوك اجتماعي/قاعدة اجتماعية (تحكم سلوك الأشخاص في المجتمع وتهتم
بالسلوك الخارجي للشخص) Norme d’ordre social.
فقاعدة القانونية هي قاعدة سلوك تحدد للشخص ما له و ما عليه في مواجهة
أفراد المجتمع فإذا قام شخص بصناعة شيء معين، فإن القانون يعترف له بحق الملكية
على المنتوج أو المصنوع مخولا له مجموعة من الامتيازات خاصة كحق التصرف في الملكية
(قاعدة قانونية تحدد سلوك الشخص نحو ملكيته كصاحب حق) و مرتبا التزامات على الغير
باحترام هذا الحق (ق.ق. تحدد سلوك الغير اتجاه هذه الملكية باحترامها).
كما أن القاعدة القانونية و هي تنظم سلوك الأشخاص إنما تتجه أساسا لتحديد سلوكهم
المادي أي بالمظاهر الخارجية لهذا السلوك، فالشخص الذي يفكر في مخالفة القاعدة
القانونية دون أن يتجسد ذلك في سلوك مادي و إنما يبقى مجرد فكرة. مثلا فإن مجرد
التفكير في الجريمة لا يعتبر جريمة.فالقانون لا يأخذ بعين الاعتبار النوايا و
المقاصد مجردة، و لكن في حدود صلتها بالسلوك المادي الخارجي و نعني هنا ببعض الاستثناءات
المنصوص عليها في بعض النصوص القانونية كالمادة 107 من القانون المدني التي تشترط
على المتعاقدين بتنفيذ العقد بحسن النية.
المطلب الثاني: التمييز بين قواعد القانون و بين غيرها من القواعد
الاجتماعية.
و بجانب القاعدة القانونية هناك عدة قواعد تنظم الحياة في المجتمع النابعة
عن القيم الأخلاقية و العادات والعقيدة الدينية.
أولا: القاعدة
القانونية وقواعد الأخلاق.
شهدنا أن القانون Droit هو مجموعة القواعد التي تنظم العيش في الجماعة و التي تلزم السلطة
العامة الأفراد على احترامها. أما قواعد الأخلاق، فهي تلك التي تفرضها الجماعة على
أفرادها تحقيقا للخير و تجنباً للشر، و التي يستلزم عدم احترامها سخط المجتمع و
ازدراءه للمخالف.
و تتفق القاعدة القانونية مع
القاعدة الخلقية في كل منهما قاعدة عامة، أي تتضمن خطابا موجا لكل أفراد المجتمع،
كل منهما قاعدة ملزمة و تقترن بجزاء يوقع على من يخالفها، و كل منهما تبغى تنظيم
العيش في المجتمع. أما أوجه الاختلاف فترتكز فيما يأتي:
- أن القاعدة القانونية أو القانون
يحكم السلوك الخارجي للبشر، أما القاعدة الخلقية تهتم أيضا بالسلوك الخارجي و حتى النوايا
و البواعث.
- يختلف طبيعة الجزاء في القاعدة
الخلقية عن القاعدة القانونية (جزاء مادي)، فتقترن بجزاء معنوي يتمحض عن تأنيب
الضمير عند من يخالفها ثم ازدراء المجتمع و سخطه على هذا المخالف و نفوره منه.
- القاعدة القانونية تبتغي نفع
المجتمع، أما القاعدة الأخلاقية تراعي، في تنظيمها للمجتمع، ما يجب أن يكون عليه،
نازعة في ذلك بالإنسان إلى السمو و الكمال.
- أن القاعدة القانونية مقررة في
صيغة معينة يسهل التعرف عليها، أما قواعد الأخلاق فمرجعها ضمير الجماعة، و هي لذلك
غير واضحة الوجود.
ثانيا: القاعدة
القانونية و قواعد الدين.
قواعد الدين هي سلسلة من الأوامر و النواهي السماوية
المنزلة من الخالق إلى المخلوق عن طريق رسله لحكم النشاط البشري و إرشاد الناس و
هدايتهم إلى ما فيه الصلاح و الخير و النفع و الثواب و نشر العدل والأخوة و المحبة
في علاقات الناس فقواعد الشريعة الإسلامية تتضمن ثلاثة أنواع من السلوك الذي تنظمه
: قواعد العبادات، قواعد الأخلاق الشخصية([7])، قواعد المعاملات([8]).
و لها وجه شبه مع القاعدة القانونية كصفة عمومية و
التجريد و الإلزام، و لكنها تختلفان في ما يلي: الجزاء في القاعدة الدينية جزاء
مزدوج دنيوي و أخروي. القاعدة الدينية مصدرها سماوي. أن نطاق قواعد الدين أوسع من
نطاق القانون لأنه يهتم بجميع الروابط (الاجتماعية و الروحية). القاعدة الدينية
تهتم بالنيات المستترة "إنما الأعمال بالنيات" عكس القاعدة القانونية.
وللقواعد الدينية تأثير كبير في القوانين الوضعية مثلا قانون الأسرة، الأوقاف،..الخ.
بعد تحديد معنى القانون
و مضمون القانون " القاعدة القانونية"، فإنه يشمل جميع جوانب الحياة في
المجتمع (اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، سياسية) بحيث ينظمها و يحدد جميع القواعد
الخاصة بالأشخاص أو المعاملات سواء كانت مدنية أو تجارية،....الخ التي تنظم الحياة
في المجتمع Règle à finalité sociale.
المطلب الثالث: علم القانون و علاقته بالعلوم الاجتماعية الأخرى.
من خلال ما تم تناوله أعلاه
عن مفهوم و خصائص القاعدة القانونية فإنه يتبين لنا أن القانون ينظم جميع نواحي
الحياة في المجتمع، أي سيكون حتما هناك علاقة القانون (كنص و كعلم) مع مختلف العلوم
الاجتماعية الأخرى.
الفرع الأول: القانون
كعلم من علوم الاجتماعية.
علم القانون هو العلم
الذي يبحث فيما يحكم القانون من مبادئ عامة و نظريات مشتركة بين شرائع الأمم، لأنه
يتخذ من القانون برمته موضوعا له. و تستعمل الكلمة اللاتينية "Droit" لتعينه أو تعيين فرع من فروعه (أو تخصص من تخصصاته)
كالقانون التجاري Droit commercial، فعلم القانون لا يركز اهتمامه في حقل معين من حقول الحياة
القانونية ليتولاه بالبحث و التنظيم، و إنما يتولى الحياة القانونية برمتا ليتحرى
عن الأصول المشتركة و الأفكار القانونية التي تسودها في مختلف فروعها مدنية كانت أو
تجارية أو جنائية أو غيرها. أما القانون بمفهومه الضيق كما رأينه أعلاه هو النظام
الذي يحدد ضوابط و الروابط الاجتماعية و هو ينظم جميع ميادين الحياة سواء كان سلوك
اجتماعيا أو سلوك اقتصاديا باعتبار هذا الأخير سلوكا من سلوكات المجتمع. و في هذا الإطار
نتناول دراسة علاقة القانون بالاقتصاد.
الفرع الثاني: علاقة
القانون بالاقتصاد.
توصف العلوم الاقتصادية
باعتباره علما من العلوم الاجتماعية بأنها دراسة الوسيلة التي يستخدمها المجتمع في
الإنتاج و التوزيع السلع و الخدمات التي يحتاج إليها([9]). أي ضرب من ضروب نشاط الإنسان (الاقتصاد) مثل الإنتاج، الادخار الإنفاق،...الخ،
و كذلك يتسع ميدان العلوم الاقتصادية إلى مختلف النظم الاقتصادية (الليبرالي، الموجه)
فهي تهتم بالسلوك الاقتصادي([10]) للفرد. و يؤثر القانون في الاقتصاد و يتأثر به، للقانون أهمية بالنسبة
للاقتصاد، مثلا ما أهمية "وسيلة الإنتاج" دون أن يكون موضوع حق ملكية (وسيلة
الإنتاج)، فيمنح القانون الامتيازات و السلطة على الشيء عن طريق إنشاء حقا وهو حق
الملكية. كما يعطي القانون للاقتصاد الأدوات القانونية اللازمة لتنظيم و تيسير
السلوك الاقتصادي مثلا: ففي إنشاء الثروات وتداولها يتم عن طريق الأدوات القانونية
التالية: عقد البيع/ عقد الإيجار/...الخ. كما يؤطر الظواهر الاقتصادية مثل المؤسسة
الاقتصادية (القانون التجاري و الممارسات التجارية)، النظام المالي و النقدي (الأمر رقم 03-11 المؤرخ في 26 أوت سنة 2003،
و المتعلق بالنقد و القرض) و كذلك وضع قواعد
الاستثمار (قانون الاستثمار لسنة 2001). وأمثلة أخرى: يحدد طريقة تقييم العناصر المقيدة في
الحسابات المالية للشركة بوضع نظام المحاسبة المالية (المنظم
والملحق بالقرار الوزاري المؤرخ في 26 جويلية سنة 2008، الذي يحدد قواعد التقييم و
المحاسبة ومحتوى الكشوف المالية و عرضها و كذا مدّونة الحاسبات وقواعد سيرها([11]))، أو ضبط السوق عن طريق تنظيم المنافسة ووضع قواعد تحدد كيفية سير سلطات ضبط
السوق كمجلس المنافسة (الأمر رقم 03-03 المؤرخ في 19 جويلية سنة 2003، و المتعلق
بالمنافسة). ومثال آخر عند ترويج المنتوج الغذائي
يحمل ضمن عناصره شيء غير استهلاكي، قد يمس بصحة الإنسان و يهدد المجتمع، فاعتبارات
الأمن و الصحة العمومية وحماية الأشخاص و ممتلكاتهم والبيئة تُكوِن النظام العام،
فيتدخل القانون بوضع قواعد تحدد مقاييس الفنية للمنتوج معين كإلزامية احترام
مكونات المنتوج المحددة مسبقا، أو التزام بإعلام المستهلك بمكونات المنتوج، أو وضع
قاعدة تنظم صلاحية المنتوج...الخ وهذه القواعد منظمة بموجب قانون حماية المستهلك (القانون
رقم 09-03 المؤرخ في 25 فيفري سنة 2009، يتعلق بحماية المستهلك و قمع الغش)، فالغاية
من القاعدة القانونية هي النظام والأمن و العدل. وغيرها من السلوكات الاقتصادية التي
ينظمها و يؤطرها القانون، فهو "أداة في خدمة العلوم الاجتماعية"([12])، ويخصص القانون فروع لدراسة القواعد القانونية لهذه الظواهر مثلا: القانون
الاقتصادي، قانون الأعمال.
المبحث الثاني: تقسيمات القانون
أن الفرد عندما يتعامل مع غيره من الإفراد لا يرتبط بنوع
واحد من الروابط، بل تنشأ بينه و بين غيره من أفراد المجتمع روابط كثيرة تختلف و
تتباين تبعًا لتعدد مناحي الحياة. فقد تكون هذه الروابط متعلقة بالأسرة كالزواج، و
قد تكون مالية تتعلق بالمعاملات المدنية أو التجارية كالبيع و الإيجار...الخ. و قد
تكون سياسية تتعلق بالحقوق السياسية كحق الانتخاب. و من جهة أخرى قد تكون العلاقة
بين شخص و آخر في المجتمع أو بينه و بين الدولة أو بين الدولة و غيرها من الدول. فهذه
العلاقات المتعددة تختلف في موضوعها وطبيعتها و آثارها اختلافا كبيرا. و لذلك تكون
القواعد القانونية المنظمة لها مختلفة هي أيضاً في موضوعها و طبيعتها و شكلها و
قوة إلزامها و آثارها و يقسم القانون إذن إلى أقسام يحكم كل منها جانباً من جوانب
الحياة الاجتماعية في المجتمع و كالآتي:
تقسيم القانون من حيث نطاقه الإقليمي إلى داخلي و خارجي.
تقسيم القانون من حيث طبيعة الروابط التي ينظمها إلى عام
و خاص.
تقسيم القواعد القانونية من حيث قوتها الملزمة إلى آمرة
أو مكملة.
تقسيم القواعد القانونية من حيث مرونتها أو جمودها.
المطلب الأول: تقسيم القانون إلى عام و خاص (من حيث نطاقه الإقليمي و طبيعة الروابط التي
ينظمها).
و تقسيم القانون إلى عام و خاص هو تقسيم شكلي لا ينبغي
أن يفهم منه انعدام الصلة بينهما. لأن الدولة هي التي تضع القوانين العامة و
الخاصة بواسطة السلطة التشريعية و تسهر على تطبيقها بواسطة السلطة القضائية و على
تنفيذها بواسطة السلطة التنفيذية، و هي التي تحفظ التوازن بين المصالح العامة التي
ينظمها القانون العام و المصالح الخاصة التي ينظمها القانون الخاص.
و أساس تقسيم القانون إلى عام و خاص يستند إلى وجود
الدولة في العلاقة التي يحكمها القانون بوصفها صاحبة السيادة و السلطة العامة أم
لا. فإذا دخلت الدولة طرفاً في علاقة قانونية بصفتها صاحبة السيادة والسلطة
العامة، كان القانون الذي يحكم هذه العلاقة هو قانون عام، سواء أكان الطرف الآخر
في هذه العلاقة شخصاً أم هيئة أم دولة. لأن الدولة بصفتها صاحبة السيادة و السلطة
العامة تكون في مركز أعلى من مركز الأشخاص في هذه الحالة، باعتبارها تمثل المصلحة
الجماعية التي تتحقق فيها المنفعة العامة، و يجب أن ترجح هذه المصلحة على المصالح
الخاصة للأشخاص في حالة التعارض. و إذا
دخلت الدولة طرفاً في علاقة قانونية لا بوصفها صاحبة السيادة و السلطة العامة، و
إنما بصوفها شخصاً عادياً، كان القانون الذي يحكم هذه العلاقة هو قانون خاص، سواء
أكان الطرف الآخر فيها شخصاً طبيعياً أم معنوياً كأن تبيع الدولة منقولا تابع
لأملاكها الخاصة. يرجع التقسيم إذن إلى طبيعة الرابطة القانونية التي توجد بين
الدولة و غيرها من الأشخاص أو الهيئات. و تصنف القواعد التي يتكون منها كل قسم من
هذين القسمين إلى طوائف فرعية يطلق عليها (فروع القانون).
الفرع الأول: القانون العام Droit public و فروعه.
قلنا سابقا أنه يمكن أن تكون العلاقة بين شخص و الدولة،
الذي يحكمها القانون العام الداخلي كونها لا تتعدى نطاق الإقليمي الداخلي، و
العلاقة بين الدولة و غيرها من الدول الذي يحكمها القانون العام الخارجي لأنها
تدخل في إطار العلاقات الدولية.
أولا: القانون العام الخارجي (القانون الدولي العام)
Droit international public.
يحكم العلاقات التي يتجاوز نطاقها حدود إقليم الدولة إلى
الخارج بين الدولة و غيرها من الدول و المنظمات الدولة (الأمم المتحدة، منظمة
العالمية للتجارة،..)، لذا فإنه يتمثل في (القانون الدولي العام) الذي يتكون من
مجموعة قواعد تنظم العلاقات بين الدول المختلفة و بينها و بين المنظمات الدولية الإقليمية
التي يحكم هذا القانون نشؤها، و تحدد حقوق واجبات الدول في السلم و الحرب. و يتضمن
قواعد ترتضيها الدول لنفسها إما ضمنا بحكم العرف و العادة أو صراحة بحكم المعاهدات
و الاتفاقيات الدولية، وينقصها عنصران
توافرا لقواعد القانون الداخلي وهي الإلزامية و الجزاء المادي. هذا لعدم وجود سلطة
تشريعية دولية تختص بسن قواعد قانونية ملزمة للجميع الدول و سلطة مختصة تعلو سيادة
الدول لتطبيق الجزاء على كل مخالف لأحكامه.
أما مصادر القانون العام الدولي نصت عليها المادة 38 من
النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية([13]) التي تأسست سنة 1945 وهي المصادر الرسمية المصادر
الاحتياطية، فالأولى تتمثل في: 1/المعاهدات والاتفاقيات الدولية العامة و
الخاصة التي تضع قواعد دولية تعترف بها صراحة الدول المتعاقدة و قد تكون متعددة الأطراف
أو ثنائية أو إقليمية أو دولية([14]). 2/ العادات الدولية المرعية
المعتبرة بمثابة قانون دل عليه تواتر الاستعمال. 3/مبادئ القانون العامة
التي أقرتها الأمم المتمدينة. كمبدأ احترام العقود...الخ. أما المصادر الاحتياطية:
4/أحكام المحاكم الدولية كمحاكم التحكيم الدولية. 5/ مذاهب كبار
المؤلفين في القانون الدولي العام في مختلف الأمم. 6/ مبادئ العدالة و
الإنصاف متى ما وافق أطراف النزاع عليها.
ثانيا: القانون العام الداخليinterne Droit public.
و يتفرع القانون
العام الداخلي إلى الفروع الآتية:
1/ القانون الدستوري.
عبارة عن مجموعة القواعد الأساسية التي تحدد طبيعة و شكل الدولة و نوع الحكومة
فيها، و تنظيم السلطات العامة التي تتكون منها الدولة و اختصاصاتها و علاقاتها
فيما بينها و هي: (السلطة التشريعية والسلطة القضائية و السلطة التنفيذية). و بيان
الحقوق و الحريات و الواجبات العامة الأساسية للإفراد.
2/ القانون الإداري Droit Administratif
و هو عبارة عن مجموعة القواعد القانونية التي تنظم نشاط السلطة التنفيذية و
سير جهازها الإداري و كيفية أداء وظيفتها الإدارية و إدارة المرافق العمومية.
فإذا كان القانون الدستوري يبين و يرسم أسس تكوين السلطة التنفيذية و
وظيفتها بوضع هذه الأسس موضع التنفيذ، فإن القانون الإداري يتولى تنظيم حركتها و
نشاطها في الدولة و يبين كيف تسير و تعمل في أداء وظيفتها. و موضوعات القانون
الإداري هي: 1/ تنظيم هياكل الجهاز
الإداري للسلطة التنفيذية و تحديد الهيئات و الأشخاص التي تمارس الأعمال الإدارية في
الدولة، كوزير الأول و مجلس الوزراء، و الوزراء، و الوزارات المختلفة و هياكلها([15])، و المديريات([16])، و الجماعات المحلية: الولاية و البلدية، و
المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري([17]). 2/ تنظيم العلاقات بين الإدارات العمومية
و بين موظفيها. 3/ إدارة الأملاك العمومية. 4/ تنظيم و تحديد أنواع
الخدمات العمومية التي تقدمها الإدارة أو الهيئات العمومية التي يصطلح عليها
بالمرافق العمومية. و مصادر القانون الإداري هي التشريع و القضاء الإداري، و العرف
الإداري.
3/ القانون المالي Droit financier
و هو عبارة عن مجموعة القواعد القانونية تنظم الإيرادات المالية المحصلة
عن طريق الجباية (الضرائب المباشرة و غير المباشرة و الرسوم، المحاصيل الاستثمار
العمومي، و القروض العامة الداخلية و الخارجية لسد العجز المالي) و النفقات
العمومية (نفقات التسيير: رواتب الموظفين،...الخ و نفقات التجهيز: توفير
الوسائل المادية لمباشرة الإدارة نشاطها الإداري و لإشباع الحاجات العامة كالصحة و
التعليم و القضاء والأمن، الدفاع، و المواصلات ...الخ. و الميزانية العامة
(كيفية تحضير، تنفيذها و الرقابة على هذا التنفيذ). و المصدر الوحيد للقانون
المالي هو التشريع. إذ لا يجوز فرض ضريبة أو رسم أو الإعفاء منهما إلا بنص
القانون.
4/ القانون الجنائي Droit criminel (القانون العقوبات و قانون الإجراءات
الجزائية).
و القانون الجنائي هو مجموعة القواعد التي تحدد الجرائم المعاقب عليها
قانونا و العقوبة المقررة لكل منها والإجراءات التي تتبع في تعقب المتهم و محاكمته
و توقيع العقاب عليه إذا ثبت إجرامه. و من هذا يظهر أن هذا الفرع من القانون يشمل
نوعين من القواعد: قواعد موضوعية ترمي إلى تحديد الجريمة و العقاب، وقواعد الشكلية
تتضمن بيان الإجراءات التي تتبع عند وقوع الجريمة بغية الوصول إلى معرفة الجاني
وتوقيع العقاب عليه. و بالتالي يتجزأ القانون الجنائي إلى قانون العقوبات و قانون
الإجراءات الجزائية.
أ - قانون العقوبات Droit pénal: هو مجموعة القواعد التي تحدد الجريمة و
العقاب، و ينقسم قانون العقوبات، بالنسبة إلى موضوعه، إلى قسمين: 1- القسم
العام/ و يشمل القواعد التي تحدد الأحكام العامة للجريمة و العقوبة، دون
التطرق إلى بيان الأحكام الخاصة بكل جريمة على حدة([18]). 2- القسم الخاص/ ويشمل القواعد
الخاصة بكل جريمة على حدة([19]).
ب - قانون الإجراءات الجزائية Droit de procédure pénal: هو مجموعة القواعد التي تتخذ عند وقوع
جريمة ما، من حيث ضبطها والقبض على المتهم بارتكابها و التحقيق معه و محاكمته و
تنفيذ العقوبة التي يقضي بها عليه. و تنظيم الجهات القضائية الجزائية من قسم
المخالفات و قسم الجنح و محكمة الجنايات، وكذلك قضاء التحقيق، والضبطية القضائية كأداة
رئيسية للبحث و التحري عن الجرائم و الوقاية منها.
و المصدر الوحيد للقانون الجنائي هو التشريع لأنه لا جريمة و لا عقوبة إلا
بنص.
الفرع الثاني: القانون الخاص Droit privé و فروعه.
القانون الخاص، هو مجموعة القواعد التي تنظم العلاقات التي لا تكون الدولة،
باعتبارها صاحبة السيادة والسلطان في المجتمع، طرفاً فيها، و لكن باعتبارها شخصاً عادياً يباشر النشاط الذي
يباشره غيرها من كافة الناس. و يشمل القانون الخاص فروعا أساسية الآتية:
أولا: القانون المدني Droit Civil:
القانون المدني jus civileهو مجموعة القواعد التي
تنظم العلاقات المالية (الأحوال العينية) بين الأشخاص، فيما عدا ما يتعلق منها
بالتجارة.
يعد القانون المدني هو أساس القانون الخاص، و توجد إلى جانبه ثمة فروع أخرى
تفرعت عنه([20]) لتحكم علاقات و موضوعات معينة ظهرت الحاجة
إلى وضع قواعد خاصة بها غير قواعد القانون المدني نظراً لاتصالها بمهنة معينة أو
بنشاط تجاري معين، مثل القانون التجاري. فهو أصل فروع القانون الخاص. ولذلك يطلق
على هذا القانون الشريعة العامة في الدولة droit commun.
مصادر القانون المدني التشريع، مبادئ الشريعة
الإسلامية، العرف، مبادئ القانون الطبيعي، قواعد العدالة.
ثانيا: القانون التجاري Droit commercial:
القانون التجاري هو مجموعة القواعد التي تنظم النشاط المالي
ذا الصبغة التجارية، فهو يتناول القواعد التي تبين متى يعتبر الشخص تاجراً و متى
يعتبر العمل تجارياً. و يتناول كذلك القواعد التي تنظم الشركات والعقود التجارية و
الأوراق التجارية (السفتجة، الشيك، و السند لأمر). و يشمل القانون التجاري أيضا
القواعد التي تنظم الثقة و الائتمان الواجبين في النطاق التجاري، كالقواعد الخاصة
بالدفاتر التجارية، و كتلك التي تنظم حالة التاجر الذي يتوقف عن دفع ديونه، و ما
قد يتبع ذلك من إشهار إفلاسه.
مصادر القانون التجاري: التشريع و العرف و
العادات.
ثالثا: قانون العمل Droit de travail:
هو مجموعة القواعد التي تنظم علاقة العمال
بالمستخدمين. و يحدد علاقات القانونية الفردية و الجماعية وقواعد تسوية المنازعات
العمل كالإضراب والمفاوضات الجماعية، كما ينظم التأمينات الاجتماعية والمنازعات
الخاصة بها.
مصادر قانون العمل هي التشريع و القضاء، والاتفاقات والأعراف
المهنية، والمعاهدات والاتفاقيات الدولية.
رابعا: قانون الأسرة Droit de la Famille:
مجموعة القواعد التي
تنظم الأحوال الشخصية للأفراد و حالتهم المدنية كالأهلية و السن والاسم، الإقامة،...الخ،
أما قواعد الأحوال الشخصية تنظم علاقة الفرد بأفراد أسرته (فالأسرة هي خلية المجتمع) كالزواج و النسب و الميراث و الولاية و
الوصاية...الخ. و قانون الأسرة هو قانون مستقل عن القانون المدني و أحكامه مستمدة
من مبادئ الشريعة الإسلامية و يطبق على المسلمين في أحوالهم الشخصية.
خامسا: قانون الإجراءات المدنية و الإدارية Droit de procédure
civil et administrative:
و هي قواعد شكلية تتعلق بالإجراءات الواجب إتباعها عند المطالبة بالحقوق في
نطاق فروع القانون الخاص أمام الجهات القضائية العادية أما في نطاق القانون العام
أمام الجهات القضائية الإدارية، منذ رفع
الدعوى إلى صدور الحكم فيها و طرق الطعن فيها و كذا قواعد تنفيذ الأحكام القضائية.
مصدر قانون الإجراءات المدنية و الإدارية هو التشريع.
سادسا: القانون الدولي الخاص Droit international privé:
هو مجموعة
القواعد التي تحدد ما إذا كانت المحكمة الوطنية هي المختصة بنظر نزاع ذي عنصر
أجنبي من عدمه، و التي تبين من بين عدة قوانين مختلفة الجنسية أيها هو الواجب
التطبيق لحكم هذا النزاع. ويلجأ إليها في
حالة أن تتضمن العلاقة القانونية بين الأشخاص عنصرا أو أكثر أجنبيا في أطرافها أو الأشخاص/في
المكان/في الموضوع). فإذا باع، مثلا، احد رعايا الجمهورية الايطالية لمواطن اسباني
منقولا (مثلا: آلة حفر الآبار) موجودا في إقليم الجزائر، فهنا العلاقة الناشئة عن
هذا البيع تضمنت عنصرا أجنبيا وهو أشخاصها. فإذا تزوج جزائري بجزائرية، و تم
الزواج في الولايات المتحدة الأمريكية، في هذا المثال تتضمن العلاقة عنصرا أجنبيا،
هو مكان انعقاد الزواج. فإذا باع جزائري لجزائري
آخر منقولا متواجدا في برشلونة (اسبانيا)، وتم البيع في الجزائر فهنا العلاقة
الناشئة عن هذا البيع تضمنت عنصرا أجنبيا وهو موضوعها. و بالتالي يحدد القانون الدولي
الخاص من هي المحكمة المختصة (الوطنية أم الأجنبية) و ما القانون الواجب التطبيق
على النزاع؛ هل هو القانون الوطني أم القانون الأجنبي.
مصادر القانون الدولي الخاص التشريع و القضاء، و
الأعراف الدولية، و المعاهدات و الاتفاقيات الدولية.
المطلب الثاني: تقسيم القواعد القانونية (آمرة و مكملة/مرنة و جامدة).
الفرع الأول: تقسيم القواعد القانونية من حيث قوتها
الملزمة إلى آمرة أو مكملة.
تنقسم القواعد القانونية من حيث قوة الإلزام فيها، إلى
قواعد آمرة règles impératives و قواعد
مكملة règles supplétives.
أولا: القواعد الآمرة règles impératives.
و القواعد الآمرة هي التي نلتزم باحترامها دائما، ولا
نستطيع أن نتحلل من الخضوع لها أبدا، فهي تسن لغاية حفظ كيان الدولة و تنظيم
مصالحها الأساسية (سواء كانت هذه المصلحة سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية أم
أخلاقية)، و ما يتصل بكيان الدولة أو بمصلحة من مصالحها الأساسية يطلق عليه
"النظام العام و الآداب العامة"([21])، و بالتالي تتضمن التكليف في صورة أمر أو
نهي لتعلقها بالنظام العام، مثلا: كالقواعد القانونية المتعلقة بالعقاب الذي هو
أساس المحافظة على أمن و استقرار الجماعة.
ثانيا: القواعد المكملة
(المقررة أو المفسرة) règles supplétives.
أما القواعد المكملة فهي يجوز لنا أن نخالف ما تقضي به
إذا اتفقنا على تلك المخالفة، فإذا لم يحصل مثل هذا الاتفاق، وجب علينا أن نخضع
لحكمها (نرجع إلى الخاصية الثانية للقاعدة القانونية أنها قاعدة ملزمة و لا تطبق
إلا إذا توافرت شروط تطبيقها)، لأنها تتعلق بتنظيم مصالح الأفراد فيما ليس فيه
مساس بصالح الدولة نفسها، كالقاعدة التي تملي أن نفقات تسلم المبيع تكون على
المشتري ما لم يوجد عرف أو اتفاق يقضي بغير ذلك (المادة 395 من القانون المدني). و
القاعدة التي تقضي بأن ثمن الشيء المبيع يدفع في المكان الذي يتم فيه التسليم (المادة 387 من القانون المدني) ما لم يوجد
اتفاق يقضي بغير ذلك، بمعنى أنه يصح للبائع و للمشتري أن يخالف حكمها، ليكون
الوفاء بالثمن في بيعهما بعد عام أو أكثر أو اقل، و لكن يشترط لذلك أن يتفقا على
تلك المخالفة و في حالة إغفالهما على هذا الاتفاق، فأنهما ارتضيا بحكم القانون أي
دفع الثمن في المكان الذي يتم فيه التسليم.
و لكن متى نكون أمام قاعدة آمرة و قاعدة مكملة، توجد وسيلتان
و هما:
الأولى: وسيلة مادية هي التي نتعرف عليها من
مادة القاعدة القانونية، أي من ألفاظها. فإذا أفادت ألفاظ القاعدة القانونية أو
عبارتها عدم جواز الاتفاق على مخالفة حكمها عرفنا أنها آمرة (يجب/لا يجوز/يمنع/باطل/يعاقب).
أما إذا أفادت صحة هذا الاتفاق، كانت مكملة. و من خلال قواعد القانون المدني نعطي
مثال عن قاعدة آمرة: كالقاعدة التي تجعل
كل شرط إسقاط الضمان أو إنقاصه في عقد البيع باطلا (المادة 377 من القانون
المدني).
أما بالنسبة للقاعدة المكملة يمكن العودة إلى المثال
المذكور أعلاه (المواد 387 و 395 من القانون المدني).
الثانية: وسيلة معنوية يتم بواسطتها تعرف على
القاعدة عن طريق معنى النص لا لفظه، فإذا عرفنا من معنى النص أن حكمه ينظم علاقة
تمس كيان الجماعة أو تمس مصلحة من مصالحها الأساسية. ما صح الاتفاق على مخالفة
القاعدة التي يتضمنها. فالمرجع النهائي
للتفرقة بين القواعد الآمرة و القواعد المكملة هو اتصال تلك القواعد بالنظام العام
و الآداب العامة من عدمه.
الفرع الثاني: تقسيم القواعد القانونية من حيث مرونتها أو
جمودها.
يعتمد في الصياغة القانونية أسلوبين صياغة جامدة Rigide و صياغة مرنة Souple.
أولا: الصياغة الجامدة Rigide:
تكمن الصياغة الجامدة للقاعدة
القانونية في إخراجها أو وضعها في شكل ثابت غير قابلة لتغير مع تغير الظروف التي
تواجهها، و يكون تطبيقها على الواقعة شبه آلي. كالقواعد التي تحدد مواعيد الطعن في
الأحكام و القرارات القضائية، فإذا تجاوزت أجل (شهر) رفع المعارضة أو الاستئناف
رفض القاضي الطعن شكلا. كالقواعد التي تحدد الكم ففي صياغة الكمية فإن القاعدة
تطبق بصفة آلية دون أن تراعي الظروف وملابسات الواقعة، كالقاعدة التي تحدد قيمة
التزام 100.000 دج محل الإثبات بالكتابة.
ثانيا: الصياغة المرنة Souple:
صياغة المرنة للقاعدة القانونية
بوضعها بشكل يستجيب عند تطبيقها لملابسات و ظروف الحالات الفردية، مثلا كالقواعد
المحددة للعقوبات بين حدين أعلى و أدنى يترك للقاضي سلطة واسعة في تحديد الجزاء
المتراوح بين الحدين حسب ما تمليه ظروف كل حالة و القاعدة التي تسمح للقاضي فضلا
عن ذلك بالنزول بالعقوبة أو تطبيق الظروف المخففة التي هي كامل سلطته التقديرية.
المبحث الثالث: مصادر القانونLes sources du droit
فالقاعدة القانونية تتولد نتيجة تجمع و تفاعل عدة عوامل تكون جوهرها ثم
تصبها الصياغة الفنية في قالب قابل للتطبيق العملي و هو ما يسمى بالمصادر أي أصل
العوامل (اقتصادية أو سياسية أو خلقية أو دينية أو ثقافية او اجتماعية،....إلخ) أو
المواد التي اجتمعت و تفاعلت و تكونت منها مادة و جوهر القاعدة القانونية و جاءت المادة الأولى من القانون المدني بمصادر
القانون، و لكن يعطي مصدر أساسيا و مباشرا لإنشاء القاعدة القانونية و هو التشريع
و يعد المصدر المادي الرسمي الوحيد([22]) و يضاف مصادر أخرى يلجأ إليها في غياب النص في
التشريع و هي المصادر الاحتياطية: مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم
يوجد فبمقتضى العرف. فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة.
المطلب الأول: التشريع Législation كمصدر رسمي أصلي للقانون
التشريع([23]) هو المصدر الرسمي الغالب للقانون في عصرنا
الحاضر. و يقصد بالتشريع ، باعتباره مصدرا للقانون، سن القواعد القانونية بواسطة
السلطة التي يمنحها الدستور الاختصاص بذلك (السلطة التشريعية). و القواعد التشريعية ليست كلها من صنف واحد
فيوجد ثلاثة أنواع للتشريع تتدرج في الأهمية، و هذه الأنواع هي الآتية:
الفرع الأول: أنواع التشريع Législation .
أ - القواعد ذات القيمة الدستورية « Règle a valeur constitutionnel »:
يوجد في القمة التشريع الدستور، و يسمى أحيانا بالقانون الأساسي لتمييزه عن
القوانين العادية، على اعتبار أن الدستور هو الذي يضع الأسس التي تقوم عليها
الدولة. ويتضمن أيضا أحكام الجوهرية تتعلق
بالحقوق و الحريات العامة للأفراد و تنظيم السلطات التي تسن القوانين و التي
تنفيذها و المخولة لها رقابة تطبيق القانون و ينظم علاقات البرلمان مع الحكومة و
تنظيم البرلمان الذي يتم عن طريق القوانين العضوية. و عرفت الجزائر أربعة دساتير :
دستور سنة 1963، و دستور سنة 1976، و دستور 1989، و دستور 1996.
ب - القواعد ذات القيمة التشريعية « Règle a valeur
législative »:
-
(القانون Loi - الأمر Ordonnance)
و
هي مجموعة القواعد التي تصدر أو تسن أصلا عن البرلمان طبقا للمادة
98 من الدستور التي تنص أنه: "يمارس السلطة التشريعية برلمان يتكون من
غرفتين، و هما المجلس الشعبي الوطني و مجلس الأمة. وله السيادة في إعداد القانون و
التصويت عليه"، و مع ذلك فإن لرئيس الجمهورية طبقا للمادة 124 من الدستور
أن يشرع بأوامر في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني أو بين دورتي البرلمان و يعرض
رئيس الجمهورية النصوص التي اتخذتها على كل غرفة من البرلمان في أول دورة له
لتوافق عليها، و تعد لاغية لأوامر التي لا يوافق عليها البرلمان، و فضلا عن ذلك
يمكن رئيس الجمهورية أن يشرع بأوامر في الحالة الاستثنائية المذكورة في المادة
93 من الدستور "يقرر رئيس الجمهورية
الحالة الاستثنائية إذا كانت البلاد مهددة بخطر داهم يوشك أن يصيب مؤسساتها
الدستورية أو استقلالها أو سلامة ترابها" و تتخذ الأوامر في مجلس الوزراء
« conseil des ministres » « Council of ministres » .
و هنا لابد من التفرقة بين حالتين: فإذا صدر
التشريع عن البرلمان يسمى قانونا (Loi)، وإذا صدر عن رئيس الجمهورية فيسمى أمر (Ordonnance).
ج - القواعد ذات القيمة التنظيمية « Règle a valeur
Réglementaire »: (المراسيم Décrets)
تختص
السلطة التنفيذية طبقا للدستور بإصدار مجموعة من قواعد القانون في شكل تنظيمات Règlements و يمكن
تصنيف التنظيمات عموما إلى نوعين أساسيين:
1 – التنظيمات التنفيذية (المراسيم التنفيذية): و يقصد بها التنظيمات الصادرة
طبقا للقانون، و هذا هو الاختصاص الأصلي و المبدئي للسلطة التنفيذية، و قد جاء في
المادة 125 من الدستور في فقرتها الثانية: "يندرج تطبيق القوانين في المجال
التنظيمي الذي يعود للوزير الأول، و يتم ذلك بواسطة المراسيم التنفيذية".
2 – التنظيمات القائمة بذاتها (المراسيم الرئاسية): و يجد أساسها مباشرة في الدستور
الذي يحدد مجالها، و يطلق عليها نظرا لاستقلالها تماما عن القانون: التنظيمات
القائمة بذاتها (Règlements autonome) وتنص على هذه التنظيمات المادة 125 الفقرة
الأولى من الدستور" يمارس رئيس الجمهورية السلطة التنظيمية في المسائل غير
المخصصة للقانون".
د- مجال كل من التشريع législation و التنظيم
Réglementation :
إن
اختصاص السلطة التشريعية مقيد أما بالنسبة للسلطة التنفيذية فهو عام، و يستخلص ذلك
من خلال تحديد اختصاص البرلمان في المادة 122 من الدستور([24])،
بحيث يشرع البرلمان إلا في المجالات التي خولها له الدستور، و حيث لا يجد البرلمان مجالا لاختصاصه فإن ذلك يعود
للاختصاص العام غير المقيد للسلطة التنفيذية مع الملاحظة أن اختصاص البرلمان وفقا
للمادة السالفة الذكر يغطي مجالات واسعة، بحيث لا يترك في الواقع للمجال التنظيمي
إلا عددا محدودا من المسائل التي يمكن أن يتدخل في شأنها.
و
يخضع أو يسود التشريع مبدأ أساسي يتمثل في تدرج قواعده تدرجا هرميا، فيرتب الدستور
في أعلى مرتبة ثم تليه القوانين و التنظيمات (المراسيم الرئاسية، المراسيم
التنفيذية، القرارات الوزارية المشتركة، القرارات الوزارية الفردية، المنشورات و
التعليمات).
و
يسمو القانون المعاهدات الدولية، و لابد من احترام المعاهدات والقوانين و
التنظيمات للدستور و لهذا نتكلم على دستورية القوانين طبقا للمادة 165 من الدستور
الجزائري.
الفرع الثاني: سريان القانون
يسري التشريع سواء كان قانونا أو التنظيم من
تاريخ وضعه و نشره في الجريدة الرسمية.
أولا: سن القانون Elaboration de la loi .
يمر وضع القانون بعدة مراحل
لإقراره فيبتدئ بالمبادرة بمشروعه و تنص المادة 119 من الدستور في هذا الصدد على
أن لكل من الوزير الأول و النواب حق المبادرة بالقوانين فحينما تكون المبادرة من
الوزير الأول نكون بصدد مشروع قانون Projet de Loi و
حينما تكون المبادرة من النواب (على الأقل 20 نائبا) فنكون بصدد اقتراح قانون Proposition de Loi بعد فحص
المشروع من طرف اللجان المختصة يناقش وجوبا من طرف المجلس الشعبي الوطني ثم مجلس
الأمة حتى تتم المصادقة عليه من المجلسين و يصادق مجلس الأمة على النص الذي صوت
عليه المجلس الشعبي الوطني بأغلبية ثلاثة أرباع (4/3) أعضائه، و في حالة حدوث خلاف
بين الغرفتين يحال النزاع على لجنة متساوية الأعضاء تتكون من أعضاء كلتا الغرفتين
لتقترح نصا يعرض على الغرفتين للمصادقة
عليه، و في حالة استمرار الخلاف يسحب النص.
ثانيا: نفاذ القانون.
بعد المصادقة على القانون من طرف
البرلمان يتم إصداره ثم ينشر، و يقصد بالإصدار La promulgation إعلان رئيس
الجمهورية أن السلطة المختصة بوضع التشريع (البرلمان) قد وضعت تشريعا معينا و
الأمر بتنفيذه كقانون من قوانين الدولة، و يكلف رئيس الجمهورية بتنفيذ القوانين طبقا
للمادة 125 من الدستور. و يحدد الدستور أجلا لإصدار القوانين من طرف رئيس
الجمهورية وهو طبقا للمادة 126 منه 30 يوما من تاريخ تسلمه للقانون و يوقف هذا
الأجل في حالة إخطار المجلس الدستوري.
و تطبق القوانين من يوم نشرها في
الجريدة الرسمية و هي الوسيلة المقررة طبقا للمادة 4 من القانون المدني.
ثالثا: إلغاء القانون.
يمكن تعديل أو إلغاء القوانين، و
استبدالها بقوانين أكثر تكيفا مع الأوضاع المتغيرة باستمرار على مختلف الأصعدة، و
يقصد بإلغاء القانون إنهاء سريانه و يمكن أن يكون إلغاء صريح Abrogation express بإفصاح القاعدة الجديدة عن إنهاء
العمل بالقاعدة القديمة. أو إلغاء ضمنيا Abrogation Tacite ويستخلص من
خلال استحالة الجمع بين قاعدتين قديمة وجديدة و يأخذ صورتين:
- تنظيم الموضوع تنظيما جديدا (كأن
يصدر قانون خاص بجرائم الصرف مما يلغي ضمنيا المواد التي تنظم الصرف في قانون
العقوبات).
- وجود تعارض بين التشريع الجديد و التشريع القديم:
على شرط أن يكون بنفس المرتبة (قانون مع قانون) أو مرسوم يتعارض مع مرسوم، و لا
يلغي النص الأدنى النص الأعلى و إنما يطبق قاعدة الخاص يقيد العام أي يبقى الحكم
القديم العام ساريا إلا فيما جاء الحكم الجديد بتخصيصه (مثلا من استيراد السيارات
المستعملة و يأتي نص خاص جديد يسمح لفئة معينة (المجاهدين مثلا) باستيراد هذا
النوع من السيارات).
المطلب الثاني: المصادر الاحتياطية للقانون([25])
الفرع الأول: مبادئ الشريعة الإسلامية
طبقا لنص المادة الأولى من القانون
المدني إذا لم يجد القاضي نصا تشريعيا فيعتمد على مبادئ الشريعة الإسلامية كمصدر
احتياطي بعد التشريع.
و يقصد بمبادئ الشريعة الإسلامية،
مبادئها العامة و أصولها الكلية التي لا تختلف جوهرها باختلاف المذاهب، دون حلولها
التفصيلية أو أحكامها الجزئية التي تتفاوت الآراء بشأنها بتفاوت المذاهب و
الفقهاء، و يعد القانون الأسرة من القوانين التي تستمد قواعدها أساسا من الشريعة
الإسلامية.
الفرع الثاني: العرف
طبقا للمادة الأولى من القانون
المدني يعد العرف المصدر الاحتياطي الثاني بعد مبادئ الشريعة الإسلامية، و يعتبر
العرف أقدم مصادر القانونية و يقصد به مجموعة قواعد قانونية نشأت عن اطراد أو
تكرار سلوك الناس في مسالة ما بطريقة معينة مع الاعتقاد بأن هذا السلوك ملزم لها.
و أشارت المادة الأولى من القانون
المدني صراحة على إمكانية الرجوع إلى العرف عند انتفاء النص التشريعي.
الفرع الثالث:
مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة
يعتبر المشرع الجزائري في المادة
الأولى من القانون المدني القانون الطبيعي و مبادئ العدالة كمصدر احتياطي بعد
الشريعة الإسلامية و العرف و لا تتضمن
قواعد دقيقة محددة قابلة للتطبيق، إذ هو مجموعة من المبادئ و القيم المثالية التي
تشترك بها البشرية و يلاحظ أن القاضي لا يجد إذن أمامه قواعد يطبقها هنا و إنما
يعتمد على هذه المبادئ المثالية و يضع نفسه في مكان المشرع و ينشئ قاعدة من هذه
المبادئ و يطبقها على النزاع المعروض عليه
وهنا نكون أمام ما يسمى بالاجتهاد القضائي وهو غير ملزم عدى الحالة التي
صدر في شأنها، ذلك لأن القضاء ليس مصدرا رسميا للقانون و لكنه يساعد على توحيد
الاجتهاد في الأحكام القضائية و هنا نكون
أمام مصدر من مصادر التفسيرية للقانون.
المبحث الرابع: تطبيق القانون
يحدد نطاق تطبيق القانون من حيث
المكان و الزمان.
المطلب الأول:
نطاق تطبيق القانون من حيث المكان.
طبقا للمادة 12 من الدستور تمارس
الدولة سيادتها على مجالها البري، و مجالها الجوي، وعلى مياهها. إن نطاق تطبيق
القانون ينحصر داخل حدود الإقليمية للدولة وهو ما يصطلح بمبدأ إقليمية القانون
و مفاده هو سريان قانون الدولة على كل ما يقع داخل حدود إقليميا من وقائع و على كل
الأشخاص الموجودين فيه من وطنيين و أجانب بصرف النظر عن جنسياتهم كمظهر من مظاهر
سيادة الدولة المستقلة على إقليمها و تأسيسا على مبدأ سواسية الأفراد أمام القانون.
مثلا بالنسبة للقانون العقوبات
فالتجريم و العقاب من أهم الأمور التي تمس سيادة الدولة وسلامتها مما يجب تطبيق
قانون العقوبات تطبيقا إقليميا على كل الوقائع التي تقع في إقليم الدولة بصرف
النظر عن جنسية الذين يرتكبونها (و في هذه الحالة هناك مبدأ امتداد سريان القانون
إلى خارج إقليم الدولة: كامتداد نطاق سريان القانون الجنائي على جرائم معينة
يرتكبها أجانب داخل إقليم الدولة) و هناك استثناءات لمبدأ إقليمية القانون تتضمن
إخراج طائفة من الأجانب من نطاق سريان قانون الدولة التي يقيمون فيها لاعتبارات
السيادة ومصلحة الأفراد وهؤلاء هم: جميع الأفراد في إقليم الدولة لا يطبق على
أحوالهم الشخصية، قانون الأحوال الشخصية لدولة الإقامة بل قوانينهم الشخصية. و نفس
الشيء بالنسبة القوانين المتعلقة بالحقوق و الامتيازات العامة كتولي الوظائف
العمومية، حق الانتخاب، و حق الترشيح...الخ، وأشخاص تستثنيهم المعاهدات والاتفاقيات
الدولية من أحكام قوانين الدولة، و كذلك المبعوثون الدبلوماسيون و القناصل الذين
يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية.
إلا أن هناك استثناء لمبدأ إقليمية
القانون هو امتداد سريانه خارج حدود إقليم الدولة و هو ما يعرف بمبدأ شخصية
القانون و وفقا لهذا الأخير يسري القانون الوطني لكل دولة على المسائل
المتعلقة بالأحوال الشخصية لرعاياها في الداخل و الخارج، و هي المسائل المتعلقة
بروابط الأسرة.
المطلب الثاني:
نطاق تطبيق القانون من حيث الزمان.
إن القاعدة القانونية الجديدة تسري
من يوم نفاذها كما سبق بيانه أعلاه و أن القاعدة القانونية سقف سريانها ابتداء من
يوم إلغائها و هكذا تستقل كل من القاعدتين القديمة و الجديدة بالمراكز و الوقائع
القانونية التي تتكون في ظلها فلا يحدث أي تنازع بين القاعدتين، و لكن الأمر ليس
بهذه السهولة دائما، فغاليا ما نكون بصدد وقائع و مراكز قانونية تتكون في ظل قانون
معين، ولا تنتج كل آثارها إلا في ظل قانون جديد فيثور بشأنها تنازع حاد بين
القانونين و من أمثلة ذلك القوانين التي تغير أهلية الشخص لإبرام التصرفات
القانونية مثلا صدور قانون جديد يقرر سن الرشد من 19 إلى 21 سنة و بالتالي فما حكم
التصرفات التي قام بها سابقا هذا الشخص؟ (أي في سن 19 سنة) و لحل هذا التنازع
يستند التشريع إلى مبدأين: مبدأ عدم رجعية القوانين و مبدأ الأثر المباشر أو
الفوري للقوانين.
و يقصد به عدم سريان أحكام
القوانين الجديدة على الماضي سواء فيما يتعلق بالوقائع أو المراكز القانونية، أو
بالنسبة للآثار التي ترتبت عليها و يستند هذا المبدأ إلى مقتضيات استقرار
المعاملات و تحقيق العدل أي القانون يخاطب الناس مبدئيا إلا بالنسبة للمستقبل.
و تزداد أهمية عدم الرجعية بشكل
خاص في مجال القانون الجنائي، إذ يعتبر المبدأ ضمانة أساسية للحريات العامة و لهذا
غالبا ما تقرره الدساتير فضلا عن النص عليه في القانون الجنائي (المادة الأولى من
قانون العقوبات) بحيث لا يجوز تقرير عقاب لفعل وقع في ظل قانون يبيحه، و لا تشديد
عقوبة على فعل وقع في ظل قانون ينص على عقوبة اخف بشأنه.
و نجد تطبيق (للمبدأ) في القانون
المدني فيما يخص تكوين و انقضاء المراكز القانونية، فهذه الأخيرة التي تكونت أو
انقضت فعلا قبل نفاذ القانون الجديد تظل صحيحة و لو استمرت في ظل قانون جديد (فالعقد
العرفي يظل صحيحا بالرغم من اشتراط القانون الجديد الورقة الرسمية)، و هناك حالة
أخرى و هي المراكز القانونية التي تحتاج
إلى وقت طويل لتكوينها أو انقضائها بحيث لا يعاد النظر فيها ولو قرر القانون الجديد عناصر تكوين أو انقضاء
جديدة (كالوصية) ولا تحقق هذه الأخيرة إلا باجتماع عنصرين غالبا متباعدين في
الزمان (إبرام الوصية وفاة الوصي). و نجد تطبيق للمبدأ فيما يخص الآثار القانونية
التي ترتبت في ظل القانون القديم، فإذا كانت الملكية تنتقل بمجرد العقد، ثم جاء
قانون جديد يشترط لانتقالها ضرورة تسجيل العقد، فتظل العقود السابقة صحيحة و لا
يمس القانون الجديد بهذا الأثر.
مثال حول نص المادة 06 من القانون
المدني التي تنص أنه "تسري القوانين المتعلقة بالأهلية على جميع الأشخاص
الذين تتوافر فيهم الشروط المنصوص عليها. و إذا صار شخص توفرت فيه الأهلية بحسب
النص القديم ناقص الأهلية طبقا للنص الجديد، فلا يؤثر ذلك على تصرفاته
السابقة".
أما الاستثناءات الواردة على مبدأ
عدم الرجعية و هي ثلاث 1/النص
الصريح أي يمكن أن ينص المشرع على تطبيق القانون الجديد بصفة رجعية محاولة من
المشرع لتغطية الفراغ التشريعي الذي تركه إلغاء القانون القديم (مثلا القانون الذي
مدد بمقتضاه العمل بالقانون الفرنسي في الجزائر قانون 31 ديسمبر سنة 1962) هذا هو
الشأن بالنسبة للقانون المدني الذي صدر بتاريخ 30 سبتمبر 1975 و امتد تطبيقه
للماضي ابتداء من تاريخ 05 جويلية 1975 بموجب المادة 1003 منه. 2/القانون
التفسيري و يتمثل في تدخل المشرع بسن قانون جديد يفسر به القانون الغامض (يكون
عادة مع التشريع القديم تشريعا واحدا بدون قواعد جديدة). 3/ النصوص
الجنائية الجديدة الأقل شدة: فقد جاء في قانون العقوبات أن القانون لا ينطبق على
الماضي إلا ما كان منه اقل شدة.
الفرع الثاني: مبدأ الأثر الفوري للقانون الجديد
L’effet immédiat de la Loi
nouvelle:
يقصد بمبدأ الأثر الفوري للقانون
الجديد انطباقه على آثار كل الوقائع و المراكز القانونية التي تتحقق في ظله، فضلا
عن انطباقه على هذه الوقائع و المراكز ذاتها التي تحدث في ظله.
إلا أن هناك بعض الاستثناءات لهذا
المبدأ إذ قد يكون للقانون القديم أحيانا أثر مستمر، و هو ما يعبر عنه بـ "Survie de la loi ancienne" مثلا
المادة 2 من قانون الإجراءات المدنية و الإدارية، التي تنص أنه: "تطبق أحكام
هذا القانون فور سريانه، باستثناء ما يتعلق بالآجال التي بدأ سريانها في ظل
القانون القديم".
([2]) فهو لفظ يفيد النظام، و النظام معناه أن تسير الأمور على
وجه مستمر و مستقر و ثابت، و بهذا المعنى أطلق لفظ القانون في لغة الفلسفة على
النظم التي تحكم الظواهر الطبيعية و الاقتصادية و الاجتماعية...الخ. فمثلا يقال في هذا المعنى (قانون الفضاء) و
يراد به نظام المستقر من دوران الكواكب و سيرها، و (قانون الجاذبية)...الخ ففي هذا
المجال نجد أن لكل شيء قانونه الذي يحكمه.و في المعنى الضيق للاصطلاح القانون فإنه
يستخدم لتعيين القانون الذي يحدد يتضمن قواعد السلوك العامة المجردة الملزمة التي
تنظم الروابط الاجتماعية في المجتمع و تقترن بجزاء مادي حال، و تقسر الدولة الناس
على إتباعها.
د.توفيق حسن فرج-المدخل للعلوم القانونية-
الكتاب الأول في نظرية القانون- المكتب المصري الحديث للطباعة و النشر-
الإسكندرية/1971.
حسن كيرة- محاضرات في المدخل إلى القانون-
منشأة المعارف-الإسكندرية/1971.
حسن كيرة- المدخل إلى القانون-منشأة المعارف-
الإسكندرية/1971.
([18]) فيشمل هذا القسم
القواعد التي تبين أنواع الجريمة، و هي ثلاثة: جناية و جنحة و مخالفة. و القواعد
التي تحدد الأركان اللازم توافرها لقيام الجريمة: الركن الشرعي و مقتضاه أن يوجد
هناك نص يحرم الفعل و يعاقب عليه، و الركن المادي و يقصد به وقوع الفعل المحرم، و
الركن المعنوي و هو القصد ارتكاب الفعل و نية إضرار بالغير.
([19])و الجرائم عديدة: الجرائم ضد الدولة كجريمة
اختلاس الأموال الدولة، و جريمة الرشوة و جريمة التزوير، و منها ما يقع على
الأفراد ما يصيب الإنسان في حياته أو جسمه، كجريمة القتل و الضرب و الجرح، أو في
ماله/ كالسرقة و النصب و خيانة الأمانة، و ما يصيبه في شرفه واعتباره، كالسب و
القذف....و غيرها من الجرائم المنصوص عليه في قانون العقوبات.
([20])
حصل هذا الأمر نتيجة تطور تاريخي طويل. فعند
الرومان، كان القانون المدني يشمل جميع القواعد القانونية التي يخضع لها الرومان فيما
بينهم وبين البعض. و كان القانون المدني يشمل قواعد القانون العام و الخاص على
السواء. و بعد تفكك الإمبراطورية الرومانية أخذت الدول الأوروبية تتبع القانون
الروماني القديم في تنظيم العلاقات الناشئة بينها و بين رعاياها، قواعد خاصة بها
متميزة عن القواعد التي أنشأها الرومان. و هكذا انفصل عن القانون المدني قواعد
القانون العام. و أصبح الاصطلاح يعنى قواعد القانون الخاص وحدها. و اتخذت القواعد
الشكلية التي تضمنته نشأة قانون الإجراءات المدنية، ثم ازدهرت التجارة و ترتب على
ذلك أن برزت عيوب تطبيق أحكام القانون المدني على الأعمال التجارية، نظرا لما
تمتاز به هذه الأعمال من وجوب السرعة و البساطة في تحقيقها. و هنا برزت ضرورة وضع
قواعد خاصة بالأعمال التجارية، فولد القانون التجاري.
([21]) اعتبارات مثل: أمن الممتلكات و الأشخاص،
حماية الصحة العمومية، حماية الخلق و الآداب، حماية حقوق الأفراد و مصالحهم
المشروعة، وحماية الإقليم وحماية الثروات
الطبيعية و الممتلكات العمومية التي تكون الثروة الوطنية، احترام البيئة و المناطق
و المواقع التاريخية و الطبيعية المحمية والإطار المعيشي للسكان، حماية الاقتصاد
الوطني.
([24] )
المادة
122
: يشرع
البرلمان في الميادين التي يخصصها له الدستور، وكذلك في المجالات الآتية:
1) - حقوق الأشخاص وواجباتهم الأساسية، لا سيما نظام الحريات العمومية، وحماية الحريات الفردية، وواجبات المواطنين،
2) - القواعد العامة المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية، وحق الأسرة، لا سيما الزواج، والطلاق، والبنوة، والأهلية، والتركات،
3) - شروط استقرار الأشخاص،
4) - التشريع الأساسي المتعلق بالجنسية،
5) - القواعد العامة المتعلقة بوضعية الأجانب،
6) - القواعد المتعلقة بالتنظيم القضائي، وإنشاء الهيئات القضائية،
7) - قواعد قانون العقوبات، والإجراءات الجزائية، لا سيما تحديد الجنايات والجنح، والعقوبات المختلفة المطابقة لـها، والعفو الشامل، وتسليم المجرمين، ونظام السجون،
8) - القواعد العامة للإجراءات المدنية وطرق التنفيذ،
9) - نظام الالتزامات المدنية والتجارية، ونظام الملكية،
10) - التقسيم الإقليمي للبلاد،
11) - المصادقة على المخطط الوطني،
12) - التصويت على ميزانية الدولة،
13) - إحداث الضرائب والجبايات والرسوم والحقوق المختلفة، وتحديد أساسها ونسبها،
14) - النظام الجمركي،
15) - نظام إصدار النقود، ونظام البنوك والقرض والتأمينات،
16) - القواعد العامة المتعلقة بالتعليم، والبحث العلمي،
17) - القواعد العامة المتعلقة بالصحة العمومية والسكان،
18) - القواعد العامة المتعلقة بقانون العمل والضمان الاجتماعي، وممارسة الحق النقابي،
19) - القواعد العامة المتعلقة بالبيئة وإطار المعيشة، والتهيئة العمرانية،
20) - القواعد العامة المتعلقة بحماية الثروة الحيوانية والـنباتية،
21) - حماية التراث الثقافي والتاريخي، والمحافظة عليه،
22) - النظام العام للغابات والأراضي الرعوية،
23) - النظام العام للمياه،
24) - النظام العام للمناجم والمحروقات،
25) - النظام العقاري،
26) - الضمانات الأساسية للموظفين، والقانون الأساسي العام للوظيف العمومي،
27) - القواعد العامة المتعلقة بالدفاع الوطني واستعمال السلطات المدنية القوات المسلحة،
28) - قواعد نقل الملكية من القطاع العام إلى القطاع الخاص،
29) - إنشاء فـئات المؤسسات،
30) - إنشاء أوسمة الدولة ونياشينها وألقابها التشريفية.
1) - حقوق الأشخاص وواجباتهم الأساسية، لا سيما نظام الحريات العمومية، وحماية الحريات الفردية، وواجبات المواطنين،
2) - القواعد العامة المتعلقة بقانون الأحوال الشخصية، وحق الأسرة، لا سيما الزواج، والطلاق، والبنوة، والأهلية، والتركات،
3) - شروط استقرار الأشخاص،
4) - التشريع الأساسي المتعلق بالجنسية،
5) - القواعد العامة المتعلقة بوضعية الأجانب،
6) - القواعد المتعلقة بالتنظيم القضائي، وإنشاء الهيئات القضائية،
7) - قواعد قانون العقوبات، والإجراءات الجزائية، لا سيما تحديد الجنايات والجنح، والعقوبات المختلفة المطابقة لـها، والعفو الشامل، وتسليم المجرمين، ونظام السجون،
8) - القواعد العامة للإجراءات المدنية وطرق التنفيذ،
9) - نظام الالتزامات المدنية والتجارية، ونظام الملكية،
10) - التقسيم الإقليمي للبلاد،
11) - المصادقة على المخطط الوطني،
12) - التصويت على ميزانية الدولة،
13) - إحداث الضرائب والجبايات والرسوم والحقوق المختلفة، وتحديد أساسها ونسبها،
14) - النظام الجمركي،
15) - نظام إصدار النقود، ونظام البنوك والقرض والتأمينات،
16) - القواعد العامة المتعلقة بالتعليم، والبحث العلمي،
17) - القواعد العامة المتعلقة بالصحة العمومية والسكان،
18) - القواعد العامة المتعلقة بقانون العمل والضمان الاجتماعي، وممارسة الحق النقابي،
19) - القواعد العامة المتعلقة بالبيئة وإطار المعيشة، والتهيئة العمرانية،
20) - القواعد العامة المتعلقة بحماية الثروة الحيوانية والـنباتية،
21) - حماية التراث الثقافي والتاريخي، والمحافظة عليه،
22) - النظام العام للغابات والأراضي الرعوية،
23) - النظام العام للمياه،
24) - النظام العام للمناجم والمحروقات،
25) - النظام العقاري،
26) - الضمانات الأساسية للموظفين، والقانون الأساسي العام للوظيف العمومي،
27) - القواعد العامة المتعلقة بالدفاع الوطني واستعمال السلطات المدنية القوات المسلحة،
28) - قواعد نقل الملكية من القطاع العام إلى القطاع الخاص،
29) - إنشاء فـئات المؤسسات،
30) - إنشاء أوسمة الدولة ونياشينها وألقابها التشريفية.
([25]) المادة الأولى من القانون المدني (الصادر بموجب الأمر
رقم 75-58 المؤرخ في 26 سبتمبر سنة 1975): "يسري القانون على جميع المسائل
التي تتناولها نصوصه في لفظها أو في فحواها. و إذا لم يوجد نص تشريعي، حكم القاضي
بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم يوجد فبمقتضى العرف. فإذا لم يوجد
فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة.
([26]) تنص المادة 2 من القانون المدني أنه: "لا يسري القانون لا على ما يقع في المستقبل و لا يكون له أثر رجعي".
([26]) تنص المادة 2 من القانون المدني أنه: "لا يسري القانون لا على ما يقع في المستقبل و لا يكون له أثر رجعي".
المحور الثاني: نظرية الحق /
Droit Subjectif-Subjective Right
Droit Subjectif-Subjective Right
تأتي دراسة نظرية الحق عادة في أعقاب دراسة نظرية القانون على أساس أن المدخل إلى القانون يرتكز على محورين أساسيين هما (القانون) و (الحق).
و الحق هو
الرابطة التي يهدف القانون إلى تنظيمها، فإذا وجد القانون وجد الحق، و لا يمكن
التصور الحق بغير القانون، كما لا يمكن تصور وجود الحق في المجتمع المنظم لا يقره
القانون و يحميه. لأن الحقوق تتفرع عن القانون، و القانون لا يقوم إلا ليقرر
الحقوق والواجبات و يحميها. فتقرير الحقوق و فرض الواجبات هو وسيلة القانون في
تنظيم الروابط الاجتماعية في المجتمع.
و سنعرف الحق في
هذا المحور و نشرح أنواعه و أركانه و مصادره و طرق اكتسابه وزواله.
الفـصـل الأول: في التعريف بالحق و أنواعه.
المبحث الأول: تعريف الحق.
اختلف الفقهاء حول تعريف الحق، و يمكن أن نجمع هذه الآراء في أربع نظريات أساسية
وهي:
النظرية الشخصية (نظرية الإرادة) من أنصارها الفقيه الألماني سافيني (Von Savigny): فجوهر الحق بالنسبة لهذه النظرية
هو القدرة الإرادية التي تثبت لصاحب الحق، أي إرادة الشخص، و لكن ما يعاب على هذه
النظرية أنه قد يكتسب الحق دون أن توجد الإرادة لدى صاحبه كعديم الأهلية و الوارث.
النظرية الموضوعية (نظرية المصلحة)([1]): فجوهر الحق هي المصلحة التي
يحميها القانون، سواء أكانت (مادية) أم (معنوية) بحيث تعرف الحق بهدفه و الغاية
منه، و يعاب على هذه النظرية أنها تنظر في تعريف الحق إلى موضوعه و الغاية منه دون
النظر في تعريفها للحق إلى شخص صاحب الحق، و لا ينبغي الخلط بين الحق و غايته
(المصلحة)، كما أن عنصر الحماية يأتي بعد وجود الحق.
النظرية المختلطة: و تأخذ بجوهر النظريتين السابق ذكرهما، إلا أنه كما
سبق بيانه فالحق ليس هو الإرادة، لأن الحق قد يثبت للشخص دون تدخل من إرادته، و هو
ليس المصلحة، لأن المصلحة ليست جوهرا للحق بل غايته.
النظرية الحديثة (نظرية دابان Dabin): و صاحب هذه النظرية يعرف الحق بأنه: ميزة يمنحها القانون لشخص ما و
يحميها له بوسائل قانونية، و بمقتضاها يتصرف الشخص في مال اقر القانون استئثاره به
وتسلطه عليه بصفته مالكا له أو مستحقا له في ذمة الغير". فعناصر الحق بموجب
هذا التعريف هي الاستئثار بمال أو قيمة معينة و تسلط صاحب الحق عليه ثم لزوم وجود آخرين
يحترمون هذا الحق ثم الحماية القانونية لهذا الحق.
فإذا اشترى احدهم سيارة من آخر يعد هذا المشتري مالكا لحق ملكية هذه
السيارة، و يلزم القانون الناس جميعا بواجب احترام هذا الحق. و هكذا يُنشئ القانون
مركزًا ممتازًا ينفرد به صاحب هذه السيارة يخوله فيه استعمالها و الانتفاع بها و
التصرف فيها بحرية على سبيل الانفراد و الاستئثار دون غيره، و يفرض على الناس كافة
قيودا تقابل هذا المركز تتمثل في وجود احترام هذا الحق و عدم التعرض لصاحبه عند
تصرف فيه. فمضمون هذا الحق إذن هو عدم جواز التعرض لحق المشتري في التصرف في
السيارة التي اشتراها. أما موضوع هذا الحق، فهو السيارة ذاتها، و أما سند الحق،
فهو الشراء الذي نقلت به ملكية السيارة من البائع إلى هذا المشتري صاحب الحق.
المبحث الثاني: أنواع الحق
المطلب الأول: الحقوق الدولية
و هي الحقوق التي يقررها القانون الدولي العام لأشخاصه (الدول و المنظمات و
الهيئات الدولية و الإقليمية) بهدف تمكينها من القيام بنشاطها على الصعيد الدولي،
كحق الدولة في السيادة على إقليمها و رعاياها وسلامة حدودها و عدم التدخل في
شؤونها الداخلية.
المطلب الثاني: الحقوق الداخلية
الفرع الأول: الحقوق السياسية أو الدستورية
وتسمى بالحقوق الدستورية أيضا لأنها تقرر للفرد بفروع القانون العام، و
خاصة القانون الدستوري والقانون الإداري بصفته عضوا رسميا في الجماعة السياسية
للدولة بغية تمكينه من الإسهام في الحياة السياسية للجماعة و الاشتراك في حكم و
إدارة البلاد و تتطلب فيمن يتمتع بها صفة المواطنة، كحق الانتخاب والترشح في
الهيئات الانتخابية (المجالس المحلية و الولائية، و التشريعية ..الخ) فهي مقصورة
(الحقوق السياسية) على من يتمتع بجنسية الدولة و محدودة على فئة معينة من الوطنيين
إذ لا يتمتع بالحقوق السياسية إلا من تتوافر فيه الشروط القانونية كشرط الأهلية، و
أنها ليست حقوق خالصة و إنما مختلطة بالواجبات مثلا كحق التصويت.
الفرع الثاني: الحقوق المدنية
و هي الحقوق اللازمة لكل فرد باعتباره عضواً من أعضاء المجتمع و لا يمكن
الاستغناء عنها و لا تتعلق بتسيير شؤون و إدارة الدولة. و تصنف إلى حقوق عامة و
حقوق خاصة.
أولا: الحقوق العامة.
و هي الحقوق اللازمة لحياة الإنسان و متعلقة بمقومات شخصيته، و لهذا سميت
بـ (الحقوق والحريات الشخصية) و يقررها القانون الدستوري و يحميها القانون الجنائي.
فكل فرد الحق في الحرية الشخصية لحصانة جسمه و ماله عرضه و مسكنه في حماية السلطة
العامة من أي اعتداء باعتبار أن ذلك من الحقوق الطبيعية للإنسان. كالحق في الحرية
و المساواة و الحياة و التنقل و التقاضي و العمل و التعليم و الفكر والرأي و
العقيدة و تكوين الأسرة و الاجتماع و التعامل و المراسلات و حرمة المسكن و لهذا
سميت بـ (حقوق الإنسان) ووردت في ميثاق الأمم المتحدة و الإعلان العالمي لحقوق
الإنسان.
ثانيا: الحقوق الخاصة
و هي الحقوق التي تنشأ عن علاقات تتعلق بالقانون الخاص، مثل القانون المدني
و قانون الأسرة، و تثبت للأشخاص الذين تتوافر فيهم شروط اكتسابها بغية تمكينهم من
إبداء نشاطهم في المحيط الأسري و المالي بغض النظر عن مهنهم و طوائفهم، كحق
الملكية و الحقوق الزوجية، و هي تصنف بدورها إلى (حقوق الأسرية) و (حقوق مالية).
أ
– الحقوق الأسرية (العائلية):
و تسمى أيضا بـ (الأحوال الشخصية) و هي تلك الحقوق التي تثبت للشخص نظرا
لمركزه في الأسرة التي ينتمي إليها أو يتصل بها باعتباره عضواً فيها في مواجهة عضو
آخر. و تنشأ هذه الحقوق من الروابط التي تقوم في أساسها على النسب و المصاهرة و ما
يترتب عليهما من قرابة. فبين الزوجين حقوق زوجية متقابلة متبادلة. فالحقوق الأسرية
لا تمنح لأصحابها لتحقيق مصالحهم الشخصية، بل تمنح لهم لتحقيق مصلحة الأسرة
برمتها. و يحكم الحقوق الأسرية قانون مستقل عن القانون المدني وهو قانون الأسرة.
ب – الحقوق المالية:
و هي الحقوق التي يقررها القانون المدني للأشخاص بغية تمكينهم من القيام
بأعمال معينة لتحقيق مصالح يمكن تقويم محلها بالنقود (الذمة المالية). و تصنف بدورها إلى ثلاثة أنواع:
1 – الحقوق العينية: الحق العيني سلطة مباشرة على شيء معين يقررها القانون
لشخص معين، و يخوله فيها استعمال هذا الشيء و الانتفاع به و التصرف فيه دون وساطة
أحد. و تصنف بدورها إلى (حقوق عينية أصلية) و (حقوق عينية تبعية)، كالآتي:
أ – الحقوق العينية الأصلية: و هي الحقوق التي تكون قائمة
بذاتها و غير تابعة لحق آخر، لأنها تنشأ مستقلة دون الاستناد إلى حق آخر، وتشمل
كما وردت في القانون المدني الجزائري على سبيل الحصر حق الملكية و هذا الأخير هو
حق عيني أصلي يخول صاحبه سلطة التصرف (القانوني أو المادي) في ملكه تصرفا مطلقا
عينا و منفعة واستغلالا. و يتجزأ عن حق الملكية حقوق أخرى و هي : حق الانتفاع و
حق الاستعمال و حق السكن و حق الارتفاق([2]).
ب– الحقوق العينية التبعية: و هي الحقوق الثابتة بالرهن الرسمي أو الحيازي أو
بنص القانون، و لذلك فهي لا تقوم بذاتها، بل تستند في وجودها إلى حق آخر هو الدين.
أي توجد تبعا لحق آخر يغلب أن يكون حق دائنية خدمة لذلك الحق و ضماناً له. إذ هي
تقوم على أشياء ضماناً للوفاء بدين ما.
و تشمل الحقوق العينية التبعية (الرهن الرسمي) و(الرهن الحيازي) و(حق
التخصيص) و(حقوق الامتياز)، و تمتاز بخاصية التقدم (الأولوية أو الأفضلية)
و (التتبع) و كالآتي:
الرهن الرسمي: وهو عقد يكتسب به الدائن حقا عينيا، على عقار لوفاء
دينه، يكون له بمقتضاه أن يتقدم على الدائنين التالين له في المرتبة عند استيفاء
حقه من ثمن ذلك العقار في أي يد يكون. فالرهن الرسمي حق عيني تبعي لا يرد إلا على
العقار الذي يظل في حيازة المدين الراهن([3]).
الرهن الحيازي: وهو عقد يلتزم به شخص، ضمانا لدين عليه أو على غيره، أن
يسلم إلى الدائن أو إلى أجنبي يعينه المتعاقدان، شيئا يرتب عليه للدائن حق عينيا
يخوله حبس الشيء إلى أن يستوفي الدين، و أن يتقدم الدائنين العاديين والدائنين التالين
له في المرتبة في أن يتقاضى حقه من ثمن هذا الشيء في أي يد يكون([4]).
حق التخصيص: وهو أن يلزم الدائن، الذي بيده حكم واجب التنفيذ صادر
في أصل الدعوى، المدين بشيء معين، يحصل على حق تخصيص بعقارات مدينة ضمانا لأصل
الدين و المصاريف([5]).
حقوق الامتياز: الامتياز أولوية يقررها القانون لدين معين مراعاة منه
لصفته. و لا يكون للدين امتياز إلا بمقتضى نص قانوني([6])
(مثلا المصاريف القضائية، المبالغ المستحقة للخزينة العامة، و رواتب العمال).
2 – الحقوق الشخصية ((Régime des créances et des dettes: الحق الشخصي أو (حق الدائنية) هو رابطة
قانونية بين شخصين دائن و مدين يطالب بمقتضاها الدائن مدينه بنقل حق عيني إليه أو
القيام بعمل معين له أو الامتناع عن القيام بعمل معين لمصلحته. و لها وجهين ايجابي
(حقاَ) و السلبي (التزاماَ) و يختلف الحق الشخصي عن الحق العيني بأنه يفرض واجبا على
شخص معين أو أشخاص معينين بالذات، بينما يفرض الحق العيني هذا الواجب على الناس
جميعاً.
3 – الحقوق المعنوية أو (غير المادية): و تسمى الملكية الفكرية لأنها لا
تنصب على أشياء مادية يمكن إدراكها بالحس أي غير مادية، بل على نتاج فكر الإنسان
(منتوج ذهني) كالمؤلفات العلمية و الأدبية أو البرمجيات المعلوماتية والموسيقية و
المبتكرات أو اختراعات و النماذج الصناعية و التجارية، و تمكن لصاحبها الوصول إلى منفعة
مالية. و تمتد الحقوق المعنوية إلى مقومات المحل التجاري (Fond de commerce) و لكن لا
تجري حماية الحقوق المعنوية التجارية بالقانون التجاري و إنما بقوانين خاصة([7]).
والحقوق المعنوية بخلاف الحقوق العينية لا ترد على شيء مادي مباشرة، و بخلاف
الحقوق الشخصية لا تفرض واجباً خاصاً على شخص معين بالذات، بل كالحقوق العينية
تفرض الواجب على الناس جميعاً.
الفصل الثاني: أركان الحق.
و هي ثلاث: شخص الحق/ محل الحق/ إقرار القانون بوجود الحق أو الحماية
القانونية للحق.
المبحث الأول: شخص الحق.
لا يمكن تصور أي حق إلا منسوباً إلى شخص من الأشخاص. و شخص الحق هو كل كائن
تتوافر في الإرادة لأن يكون صاحب حق أو مكلفاً بالتزام. و لكن صاحب الحق ليس من
الضروري أن يكون إنساناً في نظر القانون. فالشركة أو الجمعية شخص بالمعنى القانوني
و لكنها ليست إنساناً و مع ذلك تصلح لأن تكون صاحب حق. فالشخص نوعان: (شخص طبيعي) و
(شخص معنوي أو اعتباري أو حكمي).
المطلب الأول: الشخص الطبيعي (Personne Physique/Natural person)
الشخص الطبيعي هو الإنسان الذي له إرادة الذي يصلح أن يتمتع بالحقوق و
يلتزم بالواجبات. أي تثبت له الشخصية القانونية باعتباره كائنا اجتماعياً متميزاً
تشرع القواعد القانونية لتنظيم شؤونه. فهو علة وجود القانون و الغاية منه، و تبدأ
شخصية الإنسان بتمام ولادته حياً و تنتهي بموته، فشخصية الإنسان القانونية تبدأ
بولادته حياً، مع تقرير الحقوق المدنية للجنين بشرط أن يولد حياً([8])، خصائص الشخص الطبيعي: أهلية: بالرغم من اعتبار الإنسان شخصاً
من أشخاص القانون إلا أن ذلك لا يعني أن لكل إنسان أهلية كاملة([9])،
و لهذا يجب التفرقة بين الشخصية في وجودها (أهلية الوجوب)([10])و
الشخصية في نشاطها القانوني (أهلية الأداء)([11])
وهذه الأخيرة وحدها هي التي تشترط فيها الإرادة، بحيث يصبح أهلا للقيام بالتصرفات
القانونية و التقاضي عند تمام سن الرشد (19) سنة كاملة، بشرط أن لا يتعرض لعارض من عوارض الأهلية و
هي: فقدان التمييز([12])لصغر
في السن، أو عته، أو جنون (هنا نكون أمام فقدان الأهلية)، يكون (ناقص الأهلية) كل
من بلغ سن التمييز([13])
ولم يبلغ سن الرشد و كل من بلغ سن الرشد و كان سفيها أو ذا غفلة.
الذمة المالية: لكل شخص طبيعي ذمة مالية وهي عبارة عن مجموع ما للشخص و
ما عليه من حقوق والتزامات مالية في الحال أو في المستقبل. و تتضمن عنصرين: مجموع
الحقوق المالية (الأموال) و مجموع الالتزامات المالية (الديون).
الاسم: لكل شخص طبيعي اسم شخصي و لقب عائلي يتميز بهما عن سائر الأشخاص و يلحق
لقبه بأسماء أولاده بحكم القانون و هو من الصفات الملازمة لشخصية الإنسان. كما
يتمتع بالجنسية و الحالة تؤثر في حياته القانونية لأنه تترتب عليها
حقوق وواجبات لا يستطيع الفرد التحلل منها إلا بطرق القانونية، من حيث انتسابه
لأسرة معينة و يتمتع بجنسية دولة معينة.
الموطن: الموطن هو المحل الذي يوجد فيه سكن الشخص الرئيسي، و عند عدم وجود سكنى
يقوم محل الإقامة العادي مقام المواطن، كما لا يجوز أن يكون للشخص أكثر من موطن
واحد في نفس الوقت.
المطلب الثاني: الشخص المعنوي أو الاعتباري
شخص الحق لا يقصد به الإنسان فقط بل يشمل الشخص الاعتباري أيضا رغم اختلافه
عن الشخص الطبيعي من حيث أن لهذا الأخير حياة طبيعية و إرادة محسوسة منبثقة من هذه
الحياة، في حين أن إرادة وحياة الشخص المعنوي اعتبارية غير محسوسة أوجدت لضرورتها
في المجتمع تحقيقا لأوجه النشاط القانوني المفيد لمجموعة من الأشخاص أو الأموال.
فالشخص الاعتباري هو مجموعة من الأشخاص (الشركات أو الجمعيات: تتوحد جهودهم
في سبيل غاية من الغايات التي قد تكون مادية ربحية أو غير ربحي) أو الأموال (الوقف([14])،
أو المؤسسة (Fondation/Foundation التي ترمي إلى تحقيق غرض معين مادي أو غير مادي و يمنحها
القانون الشخصية القانونية بالقدر اللازم لتحقيق هذا الغرض. فالقانون هو الذي ينظم
كيفية منح الشخصية الاعتبارية لهذه المجموعات من الأشخاص و الأموال، و الأشخاص
الاعتبارية أنواع (على سبيل المثال لا الحصر) و هي: الدولة، الولاية، البلدية،
المؤسسات العمومية ذات الطابع الإداري، الشركات المدنية و التجارية، الجمعيات و
المؤسسات، الوقف.
كما تتمتع الأشخاص الاعتبارية بجميع الحقوق التي يتمتع بها الشخص الطبيعي
إلا ما كان منها ملازما لصفة الإنسان و يكون لها خصوصا: ذمة مالية، أهلية
في الحدود التي يعينها عقد إنشائها أو التي يقررها القانون، موطن وهو
المكان الذي يوجد في مركز إدارتها، نائب يعبر عن إرادتها، و حق التقاضي.
المبحث الثاني: محل الحق
المطلب الأول: محل الحقوق العينية (الأشياء و الأموال).
إن مدلول الشيء أعم و يعني كل كائن يشغل حيزاً في الطبيعة، فكل مال هو شيء،
و لكن ليس كل شيء بمال، فالمال في القانون هو الحق ذو القيمة المالية أياً كان
نوعه و محله، سواء أكان حقاً عينياً أو شخصياً أو ذهنياً وهذه الحقوق ذات القيمة
المالية أما الأشياء فهي محال هذه الحقوق. و قد ينص القانون على إخراج بعض الأشياء
عن التعامل لاعتبارات تتعلق بالنظام العام والآداب العامة والصحة العامة. و تنقسم الأشياء
إلى (عقارات ومنقولا) و إلى (مثلية و قيمية) و إلى (مملوكة و غير مملوكة).
الفرع الأول: تقسيمات الأشياء و الأموال.
أولا: تقسيم الشيء إلى عقار و منقول.
تقسم الأشياء من حيث ثباتها و حركتها إلى عقارات Chose Immobilière و منقولات Chose mobilière بحيث يقوم (هذا التقسيم) على أساس
معيار مادي يعتمد على اختلاف طبيعة الأشياء. فثبات بعض الأشياء واستقرارها في
مكانها، و حركة البعض الآخر أو قابليته للحركة يبرر اختلاف القواعد التي تحكم كل
نوع منها([15]).
والنتيجة الرئيسية المترتبة على هذا التقسيم أن كل منهما يخضعان إلى قواعد خاصة تنظمه
(النظام القانوني) (مثلا من حيث قواعد الملكية/ التصرف/ الاختصاص القضائي). و
ينقسم العقار بدوره إلى عقار بطبيعته Immobilière par nature: و هو الشيء الثابت المستقر في الأرض بحيث لا يمكن نقله أو تحويله
منها دون تلف فيه أو تغيير في هيئته. و إلى عقار بالتخصيص Immobilière par destination: وهو في
الحقيقة منقول بطبيعته([16])،
إلا أن القانون عده عقاراً بالتخصيص لأن مالكه يضعه في عقار مملوك له رصداً على
خدمة ذلك العقار و استغلاله و يكون ثابتاً فيه، مثل: الآلات الحاصدة الرابطة Moissonneuses-lieuses أو الآلات الحاصدة الدارسةMoissonneuses-batteuses وهي
الآلات المخصصة للزراعة ولا يمكن الحركة بها خارج الأرض الزراعية. أما المنقول
فينقسم إلى ثلاث أنواع: منقولات بطبيعتها Chose mobilière par nature و هي
الأشياء المادية التي يمكن نقلها و تحويلها من مكانها دون تلف فيها أو تغيير في
هيئتها. و نجد في التشريعات الأخرى ما يسمى بـ منقولات بحسب المآل Chose mobilière par destination و هي تقابل فكرة العقار بالتخصيص
إذ هي عقارات بطبيعتها و لكنها تعتبر منقولات بحسب المآل قانوناً و تطبق عليها أحكام
المنقول لأنها مرشحة و معدة لأن تفصل عن الأرض بعد قليل من الزمن و تصبح منقولاً
بإرادة الطرفين المتعاقدين كنقل الأشجار إذا بيعت إلى مزارع آخر. المنقولات المعنوية: و تشمل الحقوق
التي ترد على منقولات بطبيعتها: كالالتزامات و الأسهم في الشركات، أو على أشياء غير
مادية Chose
immatérielle: كالمؤلفات العلمية و الأدبية و غيرها([17])،
أو على عناصر معنوية éléments incorporelles: و هي قابلة للتعريف و لا معنى مادي لها كالعملاء Clients، أو حقوق أخرى مثلا حق الإيجار.
ثانيا: تقسيم الشيء إلى قيمي و مثلي.
و الأشياء المثلية هي التي يقوم بعضها مقام بعض عند الوفاء و التي تقدر
عادة في التعامل بين الناس بالعدد، أو المقياس أو الكيل، أو الوزن([18]).
فالأشياء المثلية تفترض بالضرورة انتماءها إلى نوع واحد، أي التي لها نظائر
متماثلة في الأسواق من نفس جنسها أو مقارب لها في القيمة، كتبادل الزرابي المصنوعة
من الصوف مع الزرابي المصنوعة من القطن وعادة ما يتم هذا النوع من التبادل في إطار
التجارة المقايضة([19]).
أما الأشياء القيمية choses tangible، نسبة إلى القيمة، فهي ما لا يوجد لها نظير في السوق بحيث لا يمكن
أن يحل محلها في الوفاء شيء آخر، وأهمية التقسيم تتمثل أساسا في المقاصة الجبرية
القانونية بالنسبة للشيء المثلي عكس القيمي، و هذا الأخير ينتقل بمجرد الانعقاد
البيع أما المثلي أن يكون مقابله مضمون، كما أن الشيء القيمي يتوقف محل الوفاء على
رضا الدائن([20])،
بينما هو العكس بالنسبة للأشياء المثلية.
ثالثا: الأشياء القابلة للاستهلاك و الأشياء غير قابلة
للاستهلاك (الاستعمالية).
الأشياء القابلة للاستهلاك Choses consomptibles هي التي ينحصر استعمالها بحسب ما أعدت له،
في استهلاكها أو إنفاقها([21])،
الأشياء غير قابلة للاستهلاك فهي ما يتحقق الانتفاع بها باستعمالها مراراً مع بقاء
عينها كالسيارة. فهذا الأخير يحتمل استعمالات أخرى، أما الأشياء القابلة للاستهلاك
يمكن استعماله إلا مرة واحدة، يمكن أن يكون استهلاك مادي كأكل الطعام أو استهلاك
قانوني كالتصرف بالشيء عن طريق البيع([22]).
هذا التقسيم له مبررات عملية لأن هناك بعض العقود لا يمكن أن ترد إلا على الأشياء
التي لا تستهلك باستعمالها، كعقد الإيجار و عقد الإعارة (عارية الاستعمال) Prêt a usage و حق الانتفاع. كما أن هناك من العقود ما لا يتصور وقوعه إلا على
الأشياء الاستهلاكية كما في القرض (القرض الاستهلاكي)، فالقرض في أصله يرد على
النقود([23]).
الفرع الثاني: تقسيم المال إلى عام و خاص.
تنقسم الأموال بالنسبة لمالكها إلى (أموال عمومية
وأموال خاصة)، فالأموال الخاصة هي تلك الأموال المملوكة ملكية خاصة
للأفراد أو للأشخاص المعنوية أو الاعتبارية الخاصة كالشركات التجارية أو المدنية، أما
الملكية العامة هي ملك للمجموعة الوطنية([24])
و تشتمل الأملاك على مجموع الأملاك و الحقوق المنقولة والعقارية التي تحوزها
الدولة و جماعتها الإقليمية في شكل ملكية عمومية (الدومين العام)([25])
و هي الأموال المخصصة للمنفعة العمومية (المصلحة العامة([26]))
أو لتخصيصها لاستعمال الجمهور: مثل السكك الحديدية، الحدائق العمومية، الطرق،
الشوارع (و هي غير قابلة للتصرف ولا للتقادم و لا للحجز([27]))،
أو خاصة (الدومين الخاص)([28]):
هي أموال تملكها الدولة بوصفها شخصاً اعتبارياً عادياً لأنها غير مخصصة للمنفعة
العمومية مباشرة بل للاستثمار العمومي كمصدر من مصادر الموارد المالية، أو للتجهيز
العمومي، أو أن تتصرف فيها تصرف الأشخاص في ملكهم الخاص على أساس القانون الخاص.
ذكرنا سابقاً أن الحق إذا كان عينياً فمحل يكون شيئاً مادياً يقع عليه
الاختصاص المباشر لصاحب الحق وتقوم العلاقة بصورة مباشرة بين الحق و صاحبه، و لذلك
استقصينا ما يتعلق بالمال و الشيء. أما فيما يتعلق بالحق الشخصي، فإن محله يتصل
بالأداء الذي يلتزم به المدين إزاء الدائن صاحب الحق، و هذا الأداء قد يكون
التزاماً بنقل حق عيني أو القيام بعمل معين أو الامتناع عن عمل معين.
1 - الالتزام بنقل حق عيني (المادة 165 من القانون المدني): و هو التزام شخص (المدين) بنقل
حق عيني إلى آخر (الدائن)، مثل التزام البائع بنقل ملكية عقار إلى المشتري في عقد
البيع.
2 - الالتزام بعمل معين (المادة 168-172 من القانون المدني)-الأعمال
الايجابية-:
و قد يكون محل الحق الشخصي في سلطة الاقتضاء هو التزام المدين بعمل يمكن إجباره
على القيام به، بشرط أن ينصب على التزام القيام بعمل ممكن، مشروع، معين أو قابل
للتعيين. كالتزام المقاول بانجاز بناء سكني و التزام المحامي بالترافع في دعوى
معينة. و يمكن أن يكون موضوع الحق عملاً تستوجب طبيعته أو الاتفاق قيام المدين به
شخصياً، مثلا المحامي. و يعتبر كذلك حقاً شخصياً الالتزام بتسليم شيء معين،
كالتزام البائع بتسليم المبيع إلى المشتري صاحب حق شخصي (بعد انتقال الحق العيني/ كالملكية) ملزم بتسلمه (المادة 168 من القانون المدني).
3 - الالتزام بالامتناع عن القيام بعمل (المادة 173 من القانون المدني)-الأعمال
السلبية-:
قد تكون الأعمال سلبية عندما يلتزم المدين بالامتناع عن القيام بعمل معين لمصلحة
الدائن، كأن يبيع صاحب مصنع مصنعه لآخر و يلتزم في عقد التنازل (البيع) بعدم إقامة
مصنع جديد آخر من نفس النوع و في نفس المكان
أو كأن يتفق تاجر مع مستورد أو المورد على أن يورد له دون غيره بضاعة معينة
من البضائع و عدم توريدها لتاجر آخر لمدة معينة (عقد توزيع استئثاري Contrat de distribution exclusive) أو استعمال
علامة تجارية License
exclusive. أو كأن يلتزم العامل المطلع على المهارة الصناعية بأن لا ينافس
صاحب المصنع (المستخدم) لمدة معينة بعد انتهاء عقده (عقد العمل).
المطلب الثالث: الحقوق المعنوية أو الفكرية (غير المادية) ([30]).
ذكرنا سابقاً أن الحقوق المالية قد يكون موضوعها نتاجاً ذهنياً يبتكره الشخص،
كالتأليف و الشعر و اللحن والاختراع، فتخول صاحبها مجموعة من الامتيازات التي تثبت
للمبتكر على نتاجه تسمى (حقوق المؤلف أو الأدبية أو المعنوية أو الذهنية). وقد
ظهرت هذه الطائفة من الحقوق نتيجة التطور الثقافي و التكنولوجي والاقتصادي و
الصناعي و هي حقوق ذهنية أو فكرية أو أدبية أو معنوية لا تندرج تحت طائفة الحقوق
العينية و لا تحت طائفة الحقوق الشخصية، لأنها لا ترد على شيء مادي([31]).
فمحل الحقوق المعنية لا يدرك بالحس بل بالفكر، و الاستئثار فيها يرد على أشياء
معنوية غير مادية ذات كيان خارجي عن الشخص، رغم أن الشخص هو الذي أوجدها. فهو
يتضمن جانبين المالي المتمثل باستغلال هذا الحق مالياً، و جانباً معنوياً وثيق
الصلة بشخص صاحبه. وبالتالي فهي من نوع خاص وأخضعها المشرع الجزائري لأحكام قانون
خاص.
المبحث الثالث: إقرار القانون بوجود الحق أو الحماية القانونية للحق.
إن قواعد القانون في تنظيمها لعلاقات الأشخاص في المجتمع إذا قررت حقاً
لأحد الأطراف تقرر بالضرورة واجباً على الطرف الآخر المقابل تلزمه فيه باحترام هذا
الحق و منع الاعتداء عليه ، فالحق إذن
اختصاص قانوني مزود بوسائل حماية مختلفة تكفل احترام المصلحة التي يهدف إلى
تحقيقها و اختلف الفقهاء حول اعتبار الحماية القانونية التي يزود بها الحق عنصراً
من عناصر الحق، و على كل حال فإن الوسائل التي تتحقق بها الحماية القانونية للحق
متعددة و مختلفة وفرها القانون لصاحب الحق، منها وسيلة قانونية بدون دعوى (كحق
المطالبة أمام الجهات الإدارية، أو حق الدفاع الشرعي للسلامة الجسدية، أو الحق في
الحبس([32])Droit de rétention)، ووسيلة
قانونية بدعوى (أي طلب شخص حقه من آخر أمام القضاء).
الفصل الثالث: مصادر الحق.
يقصد بمصادر الحق المنابع التي تنبع منها الحقوق، سواء أكانت هذه الحقوق
عامة أو خاصة، و سواء أكانت عينية أم شخصية أم معنوية. و مما لا شك فيه أن المصدر
الأساس للحق هو القانون، لأن الحقوق تستند في وجودها إلى القانون. و لكن القانون
على هذا النحو يعتبر المصدر البعيد للحق لأنه عندما يقرر حقاً من الحقوق، إنما
يقره نتيجة وقائع و أحداث تسمى (الواقعة القانونية). و الواقعة القانونية قد تكون
من عمل الطبيعة، فتسمى (وقائع طبيعية) و قد تكون من عمل الإنسان، فتسمى (وقائع
اختيارية). فهذه الوقائع هي المصادر المباشرة للحق. أما الأعمال الإرادية أو
التصرفات الإرادية التي يقوم بها الإنسان فتسمى بـ (الأعمال أو التصرفات القانونية)،
لأنها هي أعمال إرادية بحتة تتجه الإرادة فيها إلى إحداث نتائج قانونية معينة. و
لهذا فإن مصادر الحق اثنان هما:1- الواقعة القانونية Fait juridique. 2–
التصرف القانوني Acte juridique.
المبحث الأول: الواقعة القانونية Fait juridique.
الواقعة القانونية هي كل عمل مادي يقع بفعل الطبيعة أو بفعل الإنسان و
يترتب عليه الأثر القانوني، كإنشاء حق أو نقله أو تغييره أو زواله كلياً. فالواقعة
التي تقع بفعل الطبيعة تسمى (واقعة طبيعية)، و الواقعة التي تقع بفعل الإنسان
(واقعة اختيارية). و سنعتمد في هذا الإطار على مخطط
بياني لمصادر الحق في الصفحة التالية (رقم 10).
المطلب الأول: الواقعة الطبيعية
الواقعة القانونية هي التي تقع بفعل الطبيعة مستقلة عن نشاط الشخص و يترتب
عليه الأثر القانوني، كإنشاء حق أو نقله أو تغييره أو زواله كليا، فالزلازل واقعة
طبيعية قد تؤدي إلى نقل قطعة أرض من مكانها إلى مكان آخر، و قد تتكون الجزر بصورة
طبيعية في مجرى الأنهار أو من انحسار ماء البحر مما قد ينجر عنه توسع في رقعة
الأرض، فتعتبر جزءاً من أملاك الدولة الخاصة.
المطلب الأول: الواقعة الاختيارية
هي التي تقع بفعل الإنسان سواء
صدرت عنه بإرادته أم بدونها. أي التي تُرد إلى نشاط الشخص، سواء أكان نشاطاً
مقصوداً لغرض ترتيب أثر قانوني معين و هذا هو (التصرف القانوني)، أم لم يكن
مقصوداً وهو (العمل المادي).
الفرع الأول: العمل المادي Acte matériel.
العمل المادي هو الواقعة القانونية
التي تقع بفعل الإنسان و يترتب عليها الأثر القانوني دون اعتبار لوجود الإرادة أو
عدم وجودها في وقوعها (لأن العمل الإرادي هو أيضا العمل المادي).
لأن القانون لا يعتد بالإرادة في
ترتيب هذا الأثر، و إنما يعتد بالفعل الواقع و يرتب الأثر القانوني عليه بمجرد
وقوعه ولو لم تقصد الإرادة هذا الأثر فعلاً. و هي: (الأفعال الضارة) و(الأفعال
النافعة) و(الحيازة).
1 – الفعل
الضار:
و هو كل عمل مادي يقوم به الشخص و يلحق الضرر بشخص آخر، فيحق للمتضرر أن يطالب
مرتكب الفعل بالتعويض عن الضرر الذي لحقه، سواء أكان الفعل الضار الذي سبب الضرر
قد وقع عمداً أم نتيجة إهمال و تقصير. وتقوم مسؤولية الفعل الضار على ثلاثة أركان
هي: الخطأ، الضرر، العلاقة السببية بينهما.
2 – الفعل
النافع:
و هو كل عمل مادي يترتب عليه إثراء شخص على حساب شخص آخر دون سبب مشروع، فيرتب
القانون لمن افتقرت ذمته حقاً في الرجوع على من أثرى على حسابه، و يطبق عليه قواعد
الإثراء بلا سبب Enrichissement sans cause و نصت المادة 141 من القانون المدني أنه: "كل من نال عن حسن نية من
عمل الغير أو من شيء له منفعة ليس لها ما يبررها يلزم بتعويض من وقع الإثراء على
حسابه بقدر ما استفاد من العمل أو الشيء، و كل من تسلم على سبيل الوفاء ما ليس
مستحقا له وجب عليه رده وهو ما يسمى بـ الدفع غير المستحق([33])
Le paiement de l’indu، أو أن
يتولى شخص عن قصد القيام بالشأن لحساب شخص آخر، دون أن يكون ملزما بذلك وهو ما
يسمى بـ الفضالة([34])
Gestion d’affaire (و تصنف هذه
الأعمال ضمن الفصل الخاص بـ "شبه العقود").
3 – الحيازة: و هي وضع مادي، به يسيطر شخص بنفسه أو بواسطة
غيره سيطرة فعلية على شيء أو حق يجوز التعامل فيه مدة مقررة في القانون، سواء أكان
هذا الشخص هو صاحب الشيء أم لم يكن صاحبه. فالحيازة واقعة مادية تتكون من عنصرين
هما: 1-
عنصر مادي وهو وضع اليد على الشيء للمدة المقررة في القانون. 2 – عنصر معنوي وهو
نية التملك. أما بالنسبة للمنقول فالقاعدة هي أن الحيازة في المنقول سند الملكية.
الفرع
الثاني: العمل الإرادي (التصرف القانوني)
التصرف
القانوني هو العمل الإرادي المحض الذي يتوجه إلى إحداث أثر قانوني ما. أي اتجاه
الإرادة إلى إحداث أثر قانوني معين قد يكون إنشاء حق أو نقل أو تعديله أو إزالته.
فالأثر القانوني يترتب في هذه الحالة بمقتضى إرادة الشخص و تسليم القانون بذلك في
حدود احترام الناظم العام و الآداب العامة. فالتصرف القانوني يختلف عن العمل المادي على
أساس أن الأثر القانوني يترتب على التصرف القانوني، لأن الإرادة قد اتجهت غليه
فينشأ الحق مستنداً إلى هذه الإرادة بحيث يكون المرجع إلى هذه الأخيرة وحدها في
تحديد مضمون هذا الحق و مداه، في حين أن الأثر القانوني يترتب على العمل المادي
بمجرد وقوع الفعل، سواء اتجهت الإرادة إلى إحداثه أم لا.
و التصرف
القانوني قد يتم بإرادة منفردة. أي بتصرف صادر من جانب واحد و إرادة واحدة، كما في
الإقرار، و الوصية التي تمليك مضاف إلى ما بعد الموت من الموصي بدون عوض، أو
كالوعد بالجائزة([35])،
و قد لا يتم إلا بالتقاء و توافق إرادتين حريتين ببعضهما لإحداث الأثر القانوني.
أي بتصرف من جانبين كما هو الحال في العقود، كعقد البيع و الإيجار و الرهن و القرض
و جميع الالتزامات التعاقدية الأخرى الملزمة للجانبين. فآثار التصرف القانوني تحصل
بإرادة الشخص لا بقوة القانون.
أولا: التصرف القانوني الصادر من جانب
واحد (الإرادة المنفردة).
و كما سبق
ذكره هو عمل قانوني من جانب واحد، حيث يلزم الشخص نفسه بإرادته المنفردة دون أن
تقترن هذه الإرادة بإرادة شخص آخر، كما في الوصية. و لا تحتاج في قيامها لقبول
الجانب الأخر([36]).
فمن المتصور أن تنتج الإرادة المنفردة بعض الآثار القانونية بالعمل القانوني
الصادر من جانب واحد و تكون سبباً لإنشاء حق عيني مثلا الوصية بعقار أو انقضائه كالتنازل
عن الرهن الرسمي. أو في إنهاء رابطة تعاقدية كما في الوديعة. فالتشريعات الحديثة
تعترف بدور الإرادة المنفردة في إحداث آثار قانونية و إنشاء الحقوق كما هو الحال
في القانون المدني الجزائري في المادة 123 مكرر منه.
ثانيا: التصرف القانوني الصادر من
جانبين (العقد).
الصورة
الأكثر وقوعاً في الحياة العملية للتصرف القانوني الصادر من جانبين هو العقد. و
يعرف البعض أن العقد هو توافق إرادتين حريتين أو أكثر على إحداث أثر قانوني،
كإنشاء حق أو نقله أو تعديله أو إزالته. أما المشرع الجزائري عرفه في المادة 54 من
القانوني المدني بأنه:"اتفاق يلتزم بموجبه شخص أو عدة أشخاص نحو شخص أو عدة
أشخاص آخرين بمنح أو فعل أو عدم فعل شيء ما".
فالأصل في
العقود مبدأ سلطان الإرادة، لأن "العقد شريعة المتعاقدين"، بحيث يكون
بمقدور الأشخاص أن يعقدوا بإرادتهم الحرة كافة التصرفات القانونية ما دامت منسجمة
مع الأسس العامة و الضوابط التي يقرها النظام القانوني في المجتمع. كون أن العقد
يقوم أساساً على التراضي وتوافق المتعاقدين بحيث يعتبر شريعة المتعاقدين Loi des Partie و لكن نطاق
حرية الإرادة مقيدة باحترام النظام العام و الآداب العامة و ذلك لأن القانون يحد من
مبدأ سلطان الإرادة بمجموعة من القواعد الآمرة أو الناهية المتعلقة بالنظام العام التي
لا يجوز للأشخاص أن يتفقوا على خلافها و استبعاد تطبيقها. كما أن القانون قد يفرض
شكلية معينة يجب مراعاتها لاستعمال الصيغة النهائية لبعض العقود بحيث لا تكفي في
تكوينها مجرد توافق الإرادة بل لا بد من صب الإرادة في شكل يتطلبه القانون،
كالعقود المتعلقة بالحقوق العينية الأصلية التي لا تنتج أثرها ما لم يتم توثيقها
في قالبها الرسمي و شهرها أمام مصلحة الشهر العقاري (المحافظة العقارية)، و هذه
الشكلية جعلها المشرع ركنا من أركان العقد([37])
الخاصة بالحقوق العينية الأصلية.
استعمال الحق: و رغم عدم تناول (بالتفصيل) عنصر استعمال الحق و إثباته
لا بد لنا من بيان مدى استعماله و إثباته بصفة وجيزة. الأصل هو أن لصاحب الحق أن
يستعمل حقه بالطريقة التي يراها ضمن الحدود المقررة في القانون. ولكن أصبح استعمال
الحق في الوقت المعاصر مقيداً بضوابط تختلف باختلاف كل نوع من أنواع الحقوق التي
تؤكد في مجملها أن الحقوق ليست مطلقة. فصاحب الحق الذي يغالي في استعمال حقه بحيث
يتعمد الضرر بغيره دون أن تكون له أدنى مصلحة في هذا الاستعمال أو كانت مصلحته في
ذلك قليلة بالقياس إلى مصالح الغير، أو للحصول على فائدة غير مشروعة، فيجب أن يكون
معرضاً لوسائل تحد من هذه الاستعمالات التعسفية لتحقيق العدل و التوازن اللازم لإيجاد
مجتمع متناسق و لذا وجدت نظرية التعسف في استعمال الحق([38]) التي حددت شروط قيام مسؤولية من يتعسف في استعمال حقه،
و يشكل الاستعمال التعسفي للحق خطأ يرتب المسؤولية اللازمة التعويض في الحالات
التي: 1-إذا وقع بقصد الإضرار بالغير، 2-إذا كان يرمي للحصول على
فائدة قليلة بالنسبة غلى الضرر الناشئ للغير، 3 – إذا كان الغرض منه الحصول
على فائدة غير مشروعة([39]).
أما إثبات الحق هو إقامة
الدليل أمام القضاء على وجوده. فكل من له حق ينازعه فيه آخر، عليه إثباته، ووسائل الإثبات
في القانون المدني عديدة منها: الكتابة (كالورقة الرسمية)، بالشهود، القرائن، الإقرار
واليمين.
([7])
الأمر رقم 03-05 المؤرخ في 19 جويلية 2003، يتعلق بحقوق
المؤلف و الحقوق المجاورة/ الأمر رقم 03-06 المؤرخ في 19 جويلية 2003، يتعلق
بالعلامات/ الأمر رقم 03-07 المؤرخ في 19 جويلية 2003، يتعلق ببراءات
الاختراع/الأمر رقم 03-08 المؤرخ في 19 جويلية 2003، يتعلق بحماية التصاميم
الشكلية للدوائر المتكاملة/الأمر رقم 76-65 المؤرخ في 16 جويلية 1976، يتعلق
بتسميات المنشأ -الاسم الجغرافي-/الأمر رقم 66-86 المؤرخ في 28 أفريل 1966، يتعلق
بالرسوم و النماذج.
([14]) الوقف ليس ملكا للأشخاص الطبيعيين و لا الاعتباريين، و يتمتع بالشخصية
المعنوية و تسهر الدولة على احترام إرادة الواقف و تنفيذها، و الوقف هو حبس العين
(الأملاك العقارية عادة) عن التملك على وجه التأبيد و التصدق بالمنفعة على الفقراء
أو على وجه من وجوه البر و الخير (المادة 3 و 5 من القانون رقم 91-10 المؤرخ في 27
أفريل 1991، يتعلق بالأوقاف).
([19]) المادة 2 من القرار الوزاري المشترك (بين وزير التجارة و الوزير المنتدب
للميزانية آنذاك) المؤرخ في 14 ديسمبر 1994، الذي يحدد كيفيات ممارسة تجارة
المقايضة الحدودية مع النيجر و المالي. أنه: " تكسي تجارة المقايضة
الحدودية طابعا استثنائيا و تستهدف تموين السكان المقيمين في ولايات أدرار و
إيليزي و تامنغست لا غير".
([23])
بحيث أن المقترض لا يفترض فيه رد
عين ما تسلمه منها، و إنما الأصل أن المقترض يستعمل المبلغ المقترض للوفاء بحاجاته
على أن يرد للدائن المبلغ الذي اقترضه منه و لكن من حيث الكمية، دون أن يلتزم بأن
يرد نفس هذا المبلغ عينا. لأن القرض تمليك مال أو شيء مثلي لآخر على أن يرد مثله
قدراً و نوعاً و صفة إلى المقترض عند نهاية مدة القرض (المادة 450 من القانون المدني).
([24])
المادة 17 من الدستور تنص أن
"الملكية العامة هي ملك للمجموعة الوطنية و تشمل باطن الأرض، و المناجم، و
المقالع، و الموارد الطبيعية للطاقة، و الثروات المعدنية الطبيعية والحية، في
مختلف مناطق الأملاك الوطنية البحرية و المياه، و الغابات. كما تشمل النقل بالسكك
الحديدية، و النقل البحري، والبريد و المواصلات السلكية و اللاسلكية، و أملاكاً
أخرى محددة في القانون". فالعبارة المجموعة الوطنية تعني تعود ملكيتها
للجماعة (الأفراد و الدولة) و يقتصر حق الدولة فيها على الإشراف و الحفظ و الصيانة
لمصلحة الناس جميعاً بوصفها و ممثلة (والنابعة أيضا) عن الجماعة.
([38])
تقوم نظرية التعسف في استعمال الحق
من حيث الأساس على فكرة وسط بين المذهب الفردي المطلق (يجعل تحقيق مصلحة الفرد هو
الهدف الأسمى للقانون و أن مصلحة الجماعة لا تتحقق إلا بتحقيق مصالح الأفراد. لأن
مصلحة الجماعة ما هي ألا مجموع المصالح الفردية) و المذهب الاجتماعي الذي يلغي
الحقوق أساساً و يجعل للملكية وظيفة اجتماعية.