الاثنين، 5 أكتوبر 2015



المحور الأول: النظرية العامة للقانون

المبحث الأول: قواعد القانون Règles de Droit.
إن التعريف بالقانون يجب أن يتم أساسا بالنظر إليه كمجموعة قواعد، مما لابد من دراسة القاعدة القانونية من خلال إبراز خصائصها و مميزتها أي تمييزها عن باقي قواعد السلوك.
المطلب الأول: خصائص القاعدة القانونية([1]).
أولا: خاصية العمومية و التجريدGénérale et impersonnel/Abstraite .
تتميز القاعدة القانونية بأنها خطاب عام و مجرد و معنى ذلك أن هذا الخطاب موجه إلى الأشخاص بصفاتهم كما يتناول الوقائع و التصرفات بشروطها، فإذا تحقق الشرط أو الصفة طبقت القاعدة القانونية، و من الأمثلة على ذلك القاعدة القانونية المتعلقة بالمسؤولية التقصيرية المنصوص عليها في المادة 124 من القانون المدني، بموجبها كل عمل أيا كان يرتكبه المرء و يسبب ضررا للغير يلزم من كان سببا في حدوثه بالتعويض". فهذه القاعدة هي قاعدة عامة و مجردة لأنها غير موجهة لشخص معين و لا تخص واقعة معينة. من الواضح أن القاعدة القانونية تتميز بهذه الصفة المزدوجة و لو كانت موجهة لطائفة محدودة من الأشخاص بل حتى لشخص واحد مادامت تحدد هذا الشخص بصفاته فمثلا القاعدة التي تنظم مهنة التجار، أو المحامين هي قاعدة عامة و مجردة، و لو كانت  موجهة لفئة محدودة العدد لان هذه الفئة معينة بأوصافها، و ليس بالأسماء. وتؤدي صفة العمومية و التجريد إلى حياد القانون و استقلاله في مواجهة الاعتبارات الشخصية، و من نتائجها أيضا تبقى قاعدة القانون متجددة أو مستمرة، وهذا ما يفصل بينها وبين الأوامر الفردية و الأحكام القضائية من جهة أخرى، فهذه الأخيرة توجه إلى أشخاص معينين بذواتهم كقولنا فلان معين للخدمة الوطنية بأمر اتخذ تطبيقا لقواعد القانون، أو عند مقاضاة شخص بذات بسبب ارتكابه خطأ تسبب في أضرار للغير فإن الحكم يصدر بالنسبة للأطراف المعنيين به و لا يتعدهم.   
أولا: خاصية الإلزام أو الإلزامية القاعدة القانونية (اقتران القاعدة القانونية بجزاء مادي) Obligatoire et coercitive.
يعتبر الإلزام صفة جوهرية في القاعدة القانونية، ذلك أنها ليست مجرد نصيحة، بل خطابا ملزما، و لكن نعلم أن كل قاعدة سلوك تنطوي على أمر، و كل  أمر يتضمن حتما فكرة الإلزام، و لذلك فالإلزام بهذا المعنى وحده لا يكفي ليكون معيارا للقاعدة القانونية، و إنما يجب أن يقترن بالجزاء، و يجب أن يتمثل هذا الأخير في وسيلة من وسائل القهر. فالمقصود بالإلزام إذن كصفة مميزة للقاعدة القانونية هو وجوب أن يكون مقرونا بجزاء يمكن أن يوقع فعلا على الشخص الذي يخالفها من طرف السلطة العامة. و قد يكون احترام القاعدة القانونية تلقائيا لشعور الناس بضرورة الحفاظ على كيان المجتمع و استقراره.
فالقاعدة القانونية تقترن بجزاء مادي توقعه السلطة العامة على المخالف لأحكامها عن طريق الحكم القضائي. و الجزاء المادي على أنواع:
أ - الجزاء الجنائيSanction pénale : الجزاء الجنائي عبارة عن العقوبة التي تتقاضاها السلطة العامة من المخالف لقاعدة من قواعد القانون الجنائي نيابة عن المجتمع. و هو إما أن يكون ماليا يقع على مال المخالف كالغرامة أو سالبا للحرية كالأشغال ذات النفع العام و الحبس. و القضاء المختص في فرض الجزاء الجنائي هو المحاكم الجزائية.
ب - الجزاء المدنيSanction Civil : و يتمثل في الجزاء الذي توقعه السلطة العامة على من يخالف إحدى قواعد القانون المدني أو أي قانون آخر ساري المفعول يحمي الحق الخاص للأشخاص، و هو على صور مختلفة. فقد يكون الجزاء المدني في صورة إجبار المدين على التنفيذ. و التنفيذ قد يكون عينا بإجبار المدين على الوفاء بما التزم به، و قد يكون بمقابل عن طريق التعويض.
ج - الجزاء الإداري أو التأديبيSanction Administrative ou disciplinaire  : و هو الجزاء الذي تفرضه السلطات الإدارية على الموظفين و المستخدمين في الإدارات العمومية و الهيئات العمومية المخالفين لأحكام القانون الإداري التي تنظم الوظيف العمومي، كعقوبة الإنذار التوقيف المؤقت و النهائي. و يضفي عليها وصف (عقوبة)، نظرا لان الضرر الحادث يصيب مصلحة عمومية دون أن يقتصر على فرد معين. وتكون تأديبية فيما يخص أيضا الهيئات المستخدمة الخاصة في إطار علاقات العمل في حالة مخالفة العامل قواعد القانون الداخلي. و خول لبعض الهيئات (كاللجان التأديبية التابعة للهيئة) فرض هذا الجزاء و هي بذات تمارس صلاحية من الصلاحيات القضائية المتمثلة في معاينة المخالفة وتطبيق العقوبة المقررة لذلك. ولكن السلطة المناط بها توقيع الجزاء القانوني بصورة عامة هي السلطة القضائية.
و يجوز أن يجتمع هذا الجزاء مع أي من الجزاءين الجنائي و المدني أو كليهما عند تحقق شروط توقيعهما. أما قواعد القانون الدولي فيفتقد إلى الجزاء كما هو معروف في القوانين الداخلية و هذا يعود لانعدام سلطة عامة تسمو على الدول، إلا أن هناك بعض الحالات في توقيع الجزاء من طرف بعض المنظمات الدولية.
ثالثا: القاعدة القانونية هي قاعدة سلوك اجتماعي/قاعدة اجتماعية (تحكم سلوك الأشخاص في المجتمع وتهتم بالسلوك الخارجي للشخص) Norme d’ordre social.
فقاعدة القانونية هي قاعدة سلوك تحدد للشخص ما له و ما عليه في مواجهة أفراد المجتمع فإذا قام شخص بصناعة شيء معين، فإن القانون يعترف له بحق الملكية على المنتوج أو المصنوع مخولا له مجموعة من الامتيازات خاصة كحق التصرف في الملكية (قاعدة قانونية تحدد سلوك الشخص نحو ملكيته كصاحب حق) و مرتبا التزامات على الغير باحترام هذا الحق (ق.ق. تحدد سلوك الغير اتجاه هذه الملكية باحترامها).
كما أن القاعدة القانونية و هي تنظم سلوك الأشخاص إنما تتجه أساسا لتحديد سلوكهم المادي أي بالمظاهر الخارجية لهذا السلوك، فالشخص الذي يفكر في مخالفة القاعدة القانونية دون أن يتجسد ذلك في سلوك مادي و إنما يبقى مجرد فكرة. مثلا فإن مجرد التفكير في الجريمة لا يعتبر جريمة.فالقانون لا يأخذ بعين الاعتبار النوايا و المقاصد مجردة، و لكن في حدود صلتها بالسلوك المادي الخارجي و نعني هنا ببعض الاستثناءات المنصوص عليها في بعض النصوص القانونية كالمادة 107 من القانون المدني التي تشترط على المتعاقدين بتنفيذ العقد بحسن النية.
المطلب الثاني: التمييز بين قواعد القانون و بين غيرها من القواعد الاجتماعية.
و بجانب القاعدة القانونية هناك عدة قواعد تنظم الحياة في المجتمع النابعة عن القيم الأخلاقية و العادات والعقيدة الدينية.
أولا: القاعدة القانونية  وقواعد الأخلاق.
شهدنا أن القانون Droit هو مجموعة القواعد التي تنظم العيش في الجماعة و التي تلزم السلطة العامة الأفراد على احترامها. أما قواعد الأخلاق، فهي تلك التي تفرضها الجماعة على أفرادها تحقيقا للخير و تجنباً للشر، و التي يستلزم عدم احترامها سخط المجتمع و ازدراءه للمخالف.
و تتفق القاعدة القانونية مع القاعدة الخلقية في كل منهما قاعدة عامة، أي تتضمن خطابا موجا لكل أفراد المجتمع، كل منهما قاعدة ملزمة و تقترن بجزاء يوقع على من يخالفها، و كل منهما تبغى تنظيم العيش في المجتمع. أما أوجه الاختلاف فترتكز فيما يأتي:
- أن القاعدة القانونية أو القانون يحكم السلوك الخارجي للبشر، أما القاعدة الخلقية تهتم أيضا بالسلوك الخارجي و حتى النوايا و البواعث.
- يختلف طبيعة الجزاء في القاعدة الخلقية عن القاعدة القانونية (جزاء مادي)، فتقترن بجزاء معنوي يتمحض عن تأنيب الضمير عند من يخالفها ثم ازدراء المجتمع و سخطه على هذا المخالف و نفوره منه.
- القاعدة القانونية تبتغي نفع المجتمع، أما القاعدة الأخلاقية تراعي، في تنظيمها للمجتمع، ما يجب أن يكون عليه، نازعة في ذلك بالإنسان إلى السمو و الكمال.
- أن القاعدة القانونية مقررة في صيغة معينة يسهل التعرف عليها، أما قواعد الأخلاق فمرجعها ضمير الجماعة، و هي لذلك غير واضحة الوجود.   
ثانيا: القاعدة القانونية  و قواعد الدين.
قواعد الدين هي سلسلة من الأوامر و النواهي السماوية المنزلة من الخالق إلى المخلوق عن طريق رسله لحكم النشاط البشري و إرشاد الناس و هدايتهم إلى ما فيه الصلاح و الخير و النفع و الثواب و نشر العدل والأخوة و المحبة في علاقات الناس فقواعد الشريعة الإسلامية تتضمن ثلاثة أنواع من السلوك الذي تنظمه : قواعد العبادات، قواعد الأخلاق الشخصية([2])، قواعد المعاملات([3]).
و لها وجه شبه مع القاعدة القانونية كصفة عمومية و التجريد و الإلزام، و لكنها تختلفان في ما يلي: الجزاء في القاعدة الدينية جزاء مزدوج دنيوي و أخروي. القاعدة الدينية مصدرها سماوي. أن نطاق قواعد الدين أوسع من نطاق القانون لأنه يهتم بجميع الروابط (الاجتماعية و الروحية). القاعدة الدينية تهتم بالنيات المستترة "إنما الأعمال بالنيات" عكس القاعدة القانونية. وللقواعد الدينية تأثير كبير في القوانين الوضعية مثلا قانون الأسرة، الأوقاف،..الخ.
بعد تحديد معنى القانون و مضمون القانون " القاعدة القانونية"، فإنه يشمل جميع جوانب الحياة في المجتمع (اقتصادية، اجتماعية، ثقافية، سياسية) بحيث ينظمها و يحدد جميع القواعد الخاصة بالأشخاص أو المعاملات سواء كانت مدنية أو تجارية،....الخ التي تنظم الحياة في المجتمع Règle à finalité sociale.
المطلب الثالث: علم القانون و علاقته بالعلوم الاجتماعية الأخرى.
من خلال ما تم تناوله أعلاه عن مفهوم و خصائص القاعدة القانونية فإنه يتبين لنا أن القانون ينظم جميع نواحي الحياة في المجتمع، أي سيكون حتما هناك علاقة القانون (كنص و كعلم) مع مختلف العلوم الاجتماعية الأخرى.
الفرع الأول: القانون كعلم من علوم الاجتماعية.
علم القانون هو العلم الذي يبحث فيما يحكم القانون من مبادئ عامة و نظريات مشتركة بين شرائع الأمم، لأنه يتخذ من القانون برمته موضوعا له. و تستعمل الكلمة اللاتينية "Droit" لتعينه أو تعيين فرع من فروعه (أو تخصص من تخصصاته) كالقانون التجاري Droit commercial، فعلم القانون لا يركز اهتمامه في حقل معين من حقول الحياة القانونية ليتولاه بالبحث و التنظيم، و إنما يتولى الحياة القانونية برمتا ليتحرى عن الأصول المشتركة و الأفكار القانونية التي تسودها في مختلف فروعها مدنية كانت أو تجارية أو جنائية أو غيرها. أما القانون بمفهومه الضيق كما رأينه أعلاه هو النظام الذي يحدد ضوابط و الروابط الاجتماعية و هو ينظم جميع ميادين الحياة سواء كان سلوك اجتماعيا أو سلوك اقتصاديا باعتبار هذا الأخير سلوكا من سلوكات المجتمع. و في هذا الإطار نتناول دراسة علاقة القانون بالاقتصاد.
الفرع الثاني: علاقة القانون بالاقتصاد.
توصف العلوم الاقتصادية باعتباره علما من العلوم الاجتماعية بأنها دراسة الوسيلة التي يستخدمها المجتمع في الإنتاج و التوزيع السلع و الخدمات التي يحتاج إليها([4]). أي ضرب من ضروب نشاط الإنسان (الاقتصاد) مثل الإنتاج، الادخار الإنفاق،...الخ، و كذلك يتسع ميدان العلوم الاقتصادية إلى مختلف النظم الاقتصادية (الليبرالي، الموجه) فهي تهتم بالسلوك الاقتصادي([5]) للفرد. و يؤثر القانون في الاقتصاد و يتأثر به، للقانون أهمية بالنسبة للاقتصاد، مثلا ما أهمية "وسيلة الإنتاج" دون أن يكون موضوع حق ملكية (وسيلة الإنتاج)، فيمنح القانون الامتيازات و السلطة على الشيء عن طريق إنشاء حقا وهو حق الملكية. كما يعطي القانون للاقتصاد الأدوات القانونية اللازمة لتنظيم و تيسير السلوك الاقتصادي مثلا: ففي إنشاء الثروات وتداولها يتم عن طريق الأدوات القانونية التالية: عقد البيع/ عقد الإيجار/...الخ. كما يؤطر الظواهر الاقتصادية مثل المؤسسة الاقتصادية (القانون التجاري و الممارسات التجارية)، النظام المالي و النقدي (الأمر رقم 03-11 المؤرخ في 26 أوت سنة 2003، و المتعلق بالنقد و القرض) و كذلك وضع قواعد الاستثمار (قانون الاستثمار لسنة 2001). وأمثلة أخرى: يحدد طريقة تقييم العناصر المقيدة في الحسابات المالية للشركة بوضع نظام المحاسبة المالية (المنظم والملحق بالقرار الوزاري المؤرخ في 26 جويلية سنة 2008، الذي يحدد قواعد التقييم و المحاسبة ومحتوى الكشوف المالية و عرضها و كذا مدّونة الحاسبات وقواعد سيرها([6]) أو ضبط السوق عن طريق تنظيم المنافسة ووضع قواعد تحدد كيفية سير سلطات ضبط السوق كمجلس المنافسة (الأمر رقم 03-03 المؤرخ في 19 جويلية سنة 2003، و المتعلق بالمنافسة). ومثال آخر عند ترويج المنتوج الغذائي يحمل ضمن عناصره شيء غير استهلاكي، قد يمس بصحة الإنسان و يهدد المجتمع، فاعتبارات الأمن و الصحة العمومية وحماية الأشخاص و ممتلكاتهم والبيئة تُكوِن النظام العام، فيتدخل القانون بوضع قواعد تحدد مقاييس الفنية للمنتوج معين كإلزامية احترام مكونات المنتوج المحددة مسبقا، أو التزام بإعلام المستهلك بمكونات المنتوج، أو وضع قاعدة تنظم صلاحية المنتوج...الخ وهذه القواعد منظمة بموجب قانون حماية المستهلك (القانون رقم 09-03 المؤرخ في 25 فيفري سنة 2009، يتعلق بحماية المستهلك و قمع الغش)، فالغاية من القاعدة القانونية هي النظام والأمن و العدل. وغيرها من السلوكات الاقتصادية التي ينظمها و يؤطرها القانون، فهو "أداة في خدمة العلوم الاجتماعية"([7])، ويخصص القانون فروع لدراسة القواعد القانونية لهذه الظواهر مثلا: القانون الاقتصادي، قانون الأعمال.


([1]) د.عبد المجيد زعلاني، المدخل إلى علم القانون، محاضرات ، بدون ناشر، بدون سنة.
([2]) و هي التي تنظم علاقة الشخص بنفسه أو واجب الشخص نحو نفسه، فتبين ما يجب أن يتحلى به من فضائل مثل الصدق. و ما يجب أن يبتعد عنه من رذائل، مثل الكذب.
([3]) و هي التي تنظم علاقة الشخص بغيره من الناس في المجتمع، و قد احتوت هذه القواعد صفة الإلزام كالوفاء بالعهد.
([4]) مارشال روبنصون، هربرت مورتون، جيمس كولدررود، التحليل الاقتصادي، ترجمة ماهر نسيم، مكتبة العلوم الاقتصادية، دار المعارف بمصر، سنة 1960. ص.23.
([5]) مارشال روبنصون، هربرت مورتون، جيمس كولدررود، التحليل الاقتصادي، ترجمة ماهر نسيم، مكتبة العلوم الاقتصادية، دار المعارف بمصر، سنة 1960. ص.13.
([6]) الجريدة الرسمية بتاريخ 25 مارس سنة 2009، العدد 19، ص.3-91.
([7]) د.عبد المجيد زعلاني، المدخل إلى علم القانون، محاضرات ، بدون ناشر، بدون سنة. ص.29.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق